محمد حديد وفندق "كلارج": المكان البغدادي المعاصر وتجلياته

تاريخ النشر       19/09/2017 06:00 AM


علي عبد الأمير
عادة ما يورد الزعماء السياسيون ممن يصح عليهم وصف "الآباء المؤسسون" للدولة العراقية المعاصرة، تفاصيل عن أحداث بارزة في حياتهم الشخصية والمهنية والفكرية، دون التوقف عند الأمكنة التي شهدت تلك الأحداث وما ملامحها العمرانية ودلالاتها الثقافية والتاريخية.
وفيما كنت بدأت بقراءة كتاب(1)، السياسي وصاحب الفكر الإصلاحي، محمد حديد (1907-1999)، كنت قد حصلت على صورة نادرة لشارع الرشيد، هي في حقيقتها بطاقة بريدية (بوست كارد) مرسلة من بغداد 1931. الصورة تؤكد المنحى التحديثي السريع والمؤثر عمرانيا وذوقيا الذي كانت ترسخه الدولة العراقية الناشئة، وفي جانب منها يظهر مبنى ترتفع عليه يافطة تحمل عنوان "فندق كلارج". ورحت من خلال ما بات ادمانا شخصيا على قراءة تحولات بلادي النصف الأول من القرن العشرين، عبر الصور والوثائق، أرسم مالذي كانت تنطوي عليه الحياة في ذلك الفندق واسمه الأجنبي، وما الطبيعة الكوزموبوليتية التي كانت عليها بغداد حينذاك (1931) حد ان النظرة الأولى للصورة تكشف اقتراب ملامحها من ملامح اي مدينة عالمية متطورة، على الأقل في المكان الذي نقلته. 

2
بعد نحو يوم من قيامي بنشر الصورة على صفحتي في "الفيسبوك" كنت قد وصلت إلى الصفحة 70 من كتاب حديد، وقد تضمنت الإشارة إلى الفندق إياه: كلارج، حيث جاء فيها "بعد الفراغ من امتحانات السنة الأولى في الجامعة الأميركية، عدت من بيروت إلى بغداد برفقة نجيب الصابونجي سنة 1925 عن طريق دمشق، حيث قضينا ثلاثة أو أربعة ايام لزيارة معالمها. بعد ذلك أخذنا سيارة نيرن(الشركة المعروفة التي كانت قد افتتحت خط النقل من بغداد إلى الشام) إلى بغداد التي رايناها للمرة الأولى (كانا بالأصل من أهالي الموصل ولعائلتين معروفتين فيها). وهناك، نزلنا في "فندق كلارج" في شارع الرشيد قرب الجسر الذي سمي ايام الانتداب بـ"جسر مود"(2) وكان جسرا خشبيا يقوم على "دوبات" حديثة".


لنلاحظ في تلك السطور القليلة التي يكتبها حديد، لا الدقة في الوصف، بل فيض الأخبار عن أحوال المكان وعمرانه وكيفية الوصول إليه وموقعه وما يتصل به من أحدث وأعلام، لا سيما انه يستفيض انطلاقا من الفندق وموقعه في الحديث عن بغداد كما عرفها أول مرة، ثم كيف حضر إلى الفندق، صديق الصابونجي، وهو نوري فتاح باشا لدعوتهما إلى منزل العائلة، وكيف كان أبوه الصناعي البارز قد بدأ للتو مشروعه(3).

3
في العام 1931، كان محمد حديد قد أنجز دراسته في كلية لندن للاقتصاد بعد انتقاله إليها من بيروت حيث أنهى الدراسة الثانوية، وقرر العودة إلى العراق، وتحديدا إلى منزل العائلة في الموصل حيث الجو الاجتماعي المحافظ والمسار الوحيد الذي عليه ان يتوافق ضمنه: العمل التجاري كما هي مهنة العائلة الأبرز، بينما كان هو عاد من ورشة الحداثة الفكرية وقيم الحرية والعدالة الاجتماعية، لا سيما ان "كلية لندن" كانت تعج باستاذة الفكر اليساري ونظرياتهم في الاقتصاد والسياسة. حينها كان عليها التوجه إلى بغداد، يوم كانت ورشة حداثة حقيقية قياسا بأحوالها قبل عقد (تاريخ قيام الدولة العراقية المعاصرة)، فيوضح "ليس من الصواب أن ابقى في مدينة محافظة كالموصل غير قادرة على منحي ما أصبو إليه من فرصى للتطور ولاستغلال ما حصلت عليه من علوم ومعارف اثناء دراستي"(4). هكذا ذهب الرجل إلى بغداد وليحط الرحال مجددا في "فندق كلارج" إياه: "لدى أول وصولي إلى بغداد سكنت في فندق كلارج الذي كان يشغل ، حينذاك، بناية جديدة في منطقة بين رأس القرية وجامع مرجان".

4
المهم في حكاية محمد حديد و"فندق كلارج"، هو تحول المكان إلى حاضنة لأول تجربة سياسية عراقية تأمل الحداثة عبر الإصلاح السياسي والفكري والقانوني، بعيدا عن التجارب السياسية التقليدية التي كانت قد عرفتها البلاد. والمقصود هنا تجربة "جماعة الأهالي" ولاحقا الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة كامل الجاردجي. وهنا يورد والد المعمارية الشهيرة زها حديد، تفاصيل عن تلك التجربة التي كانت قد بدأت بواكيرها اثناء دراسته في الجامعة الأميركية ببيروت، أي "الجمعية الشعبية" بعد أن عاد معظم أعضائها إلى بغداد من دراستهم في خارج البلاد: " أثناء إقامتي في فندق كلارج، بعد أيام قليلة من وصولي إلى بغداد زارني عبد الفتاح إبراهيم وتحدثنا في موضوع استئناف عمل الجمعية الشعبية"، ويورد لاحقا "في الفترة نفسها زارني عبد الفتاح إبراهيم  في فندق كلارج وأخبرني أنه اتفق مع عبد القادر إسماعيل (السياسي الذي تحول لاحقا من الحزب الوطني الديمقراطي إلى الحزب الشيوعي) وحسين جميل (القانوني السياسي والصحافي الديمقراطي) على إصدار جريدة"(5). 

هوامش
(1) الكتاب حمل عنوان  "محمد حديد، مذكراتي- الصراع من أجل الديمقراطية في العراق"، الصادر عن "دار الساقي- لندن 2006.
(2) الجنرال ستانلي مود، الذي غزا بغداد في 1917، والجسر الحديدي الذي اقيم بدلا عنه يحمل اليوم تسمية "جسر الأحرار".
(3) المشروع الذي كان لبنة أولى في الصناعة الوطنية العراقية: معمل فتاح باشا للنسيج الصوفي. لنتذكر جيدا: كان هذا في العام 1925.
(4) "محمد حديد، مذكراتي- الصراع من أجل الديمقراطية في العراق".
(5) الجريدة هنا هي "الأهالي" التي كانت حاضنة الفكر الليبرالي والتحديثي الأولى في العراق.

 




اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM