طالب غالي .. مغناة العراقيين

تاريخ النشر       11/12/2017 06:00 AM


علي عبد الأمير عجام*

إن قصدت في وصف الموسيقي، ذلك التكوين الإنساني الوجل الشفيف المتأسي، فستجد في الملحن والمطرب والشاعر طالب غالي مثالا حيا. وإن قصدت في وصف علاقة المثقف بالمكان، هوية وروحية مميزة، فستجد في طالب غالي، ملامح مدينته: البصرة، كعلامة بيئية وثقافية ظلت ممسكة بكل تجربته حتى وإن بدا بعيدا عنها إلى منافي القسر والأشواق المؤجلة.
صورة تبدو أقرب إلى حقيقة ما انطوى عليه صاحب لحن رائعة السياب "غريب على الخليج" من قدرات كانت كافية لجعله يتبوأ أعلى المقامات في اللحنية العراقية والعربية، لو كانت أيامه عادلة وحياته منصفة، ولو كان هو شخصيا على مسافة أبعد عن السياسة والخيارات الآيديولوجية، التي أثقلت على ما فيه من رهافة النغم والتعبير الموسيقي بعامة.
الأزمة الروحية- الوجودية بدت ممسكة بصاحب ألحان أوبريت "المطرقة" الذي شكل علامة في اللحنية العراقية المعاصرة، فالرجل بدا وكأنه يسرع في خطاه من أجل اللحاق بما يوشك أن يفلت من يديه.

طالب غالي (الصورة من صفحة ابنته الروائية والشاعرة دنى غالي)

وحين وصف المطرب الوسيم الصوت والروح، فؤاد سالم ألحان صديقه بكونها "ماسية"، فهو محق تماما في ذلك الوصف الذي قارب ملامح تجربة غالي في الموسيقى تلحينا ورؤية نغمية لقوالب عدة منها قالب غناء القصيدة، وفيه قدم عملين بارزين: "غريب على الخليج" للسياب و "يا دجلة الخير" للجواهري.

وإذا كانت هناك نتاجات لحنية وغنائية عراقية، وصلت مستويات رفيعة في مقاربة آمال الإنسان المتعب وتطلعه إلى حياة من السلام والخير والعدل، فان من بينها قطعا، إنتاج الملحن والشاعر طالب غالي، أبن البصرة، الحاضنة المدينية الكبرى بعد بغداد.
وإذا كان عادة ما يقترن "الغناء الختلف" أو ما اصطلح عليه "الغناء السياسي أو الوطني او المقاوم" بغلاظة في اللحن وحماسة خارجية واستعراضات فكرية وشعبوية وحزبية ان شئنا الدقة أكثر، الا انه مع المجدد في لحنه ونبرته وجوانيته الشاعرة، طالب غالي، يأخذ طابعا روحيا عميق النبرات والحاني على النفوس. وإذا كان عمله الشخصي في الموسيقى قد أبعده عن "التعبوية" السياسية والحزبية. إلا انه ربح ذاته وجعل ألحانه تقطر عذوبة حتى في نشيدها المجروح.

مغناة "دجلة الخير"
في العام 1979، كانت حفلة الإنفتاح السياسي والفكري التي شهدتها سبعينيات القرن في العراق، قد شارفت على النهاية الدموية، ليبدأ الملحن والشاعر طالب غالي، مشوارا آخر إنسانيا وفكريا أسمه: أناشيد المنفى، بل مغناته ومغناة البلاد إن شئت.
وفي عمله "دجلة الخير"، استهلال لا يذهب إلى "وطنيات" شكلية جاهرة ولا إلى ايقاعات تستدعي الحماسة، بل تلويحات كأنها الأشواق الغامرة وكأنه دفقات النهر في مويجاته المغذية لـ"أم البساتين".


يحسن الموسيقار – الشاعر طالب غالي، في هذا الخيار اللحني، الذي خذله التسجيل والتوزيع، حيث الحضور الزاعق لنغمات صادرة عن آلات اليكترونية فضلا عن فشل في مقاربة صوت مطرب دافىء بدا حادا في أكثر من موقع. فـجملة "حييت سفحك" بصوت فؤاد سالم، تأتي منسجمة مع تلك التلويحات النغمية المعبرة، حتى يأتي النداء "يا دجلة الخير" صيحات أشواق أبدية تتعزز بانكسار تؤكده مفردة "أفارقه" التي أرادها الثنائي غالي- سالم، أنكسار الأرواح المحبة المنتمية كالطين إلى النهر.
الانكسار هذا يحيل إلى رقة تعنيها عبارة "نبعا فنبعا" التي تأكدت عبر تكرار جميل جاء لتثبيت المعنى والإحساس، مع افتقاد "النبع" في تلك الأيام القاسية التي تعنيها الغربة وبرودة المنافي، لاسيما ان غالي-سالم أبدعا العمل وعيونهما نحو دجلة وأم البساتين التي كانت تبتعد.
استخدام الموال هنا .. جاء لتأكيد الملامح المحلية التي لم تبدو ثقيلة مع إيماءات كالتي تعنيها قوة تعبيرية نغمية تناسب مفردة "الشراع" ومع ما تحيل إليه من أشواق مسافرة ورحلات سرمدية من الدأب والتعب والأمل.

مغناة "غريب على الخليج"

هنا اللحن يبدأ متكسرا بقرع متتال لطبول، هي طبول نوائب الحياة وحطام ما انتهت اليه سفينة الغريب واشرعتها المحطمة، التي حاولت أنغام تالية وصلت حد رقصة الفالس، النهوض بها، في تعبيرية غاية في التوفيق، مفادها إن الغريب مكافح بالضرورة.



التمهيد هنا في المقدمة الموسيقية يوصلنا إلى مقاربة مشهد الغريب عبر استخدام موفق للغاية للكورال حين أدى "جلس الغريب"، بما يقدم موضوعيا وروحيا لصوت فؤاد سالم "صوت تفجر في قرارة نفسي الثكلى"، ثم وصولا إلى نداء مجروح "ليس سوى ..عراق".
التسجيل والتوزيع مثلما أثقلا على رهافة اللحن في "دجلة الخير"، لم يسعفا الرهافة في صوت المطرب فؤاد سالم حين نزلا عليها بحدة الصوت وعلوه على مستوى صوت المطرب. وحين انسحبت الأوركسترا هنا بدا الأوبو المنفرد أكثر تعبيرية عن فكرة الغريب ومحنته في "البلد الغريب".
ولو عمد الموزع الموسيقي إلى تكرار مقاطع معينة باستخدام ما بدأ به اي الكورال، وتحديدا مقطع "الشمس أجمل في بلادي...."، لأنتج لنا تكريسا لمقطع شعري صار مرتبطا بالعراق ودالا عليه، وتقديما مناسبا لوجع الغريب الذي يأتي في مقطع تال هو "واحسرتاه... متى أنام"؟ موجها النداء الروحي المتأسي "يا عراق... يا عراق" صحبة ناي الشجن والأسى والصوت الذي يخفت تدريجيا للكورال، لتبدو الغربة اغترابا، وهي موقف من الحياة وتحولاتها، من الوطن – العراق ومعناه.

لماذا مغناة العراقيين؟
العملان ليسا مجرد أغنيتين، ولا نشيدين، انهما معا يشكلان معا "مغناة"، على وزن "ملهاة" و"ماساة" كشكلين في الأداء الفني، هي مغناة البلاد التي كابدها طالب غالي، وهذا كثير وموجع حقا: فلا الوطن الذي أفنى أعذب سنوات حياته من أجله، هو الوطن اليوم، ولا الجدوى الفكرية والثقافية التي اندرج في تفاصيلها ومواجهاتها ذات أثر حقيقي اليوم، بل حتى المدينة التي صارت ملامحه وأغنيته وهواه وأشواقه حد إنه كاد يكون مريضا بها ولأجلها، صارت غريبة قاسية.
ها هو الموسيقار الشاعر يترك لروح البلاد أعمق تلويحة، هي من ذلك الشراع الغريب الذي ما انفك مفتوحا لريح الحرية، ويكفيه مجدا أن أرتقى بالأنغام إلى مرتبة الضمير وبالغناء إلى مرتبة النشيد.

*الكلمة كتبت خصيصا للإحتفاء ببلوغ الفنان الكبير عامه الثمانين الذي يصادف اليوم



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM