حوارات  



الناقد الموسيقي عادل الهاشمي:اغنية اليوم لاتلامس حاجة الانسان للحرية والحب

تاريخ النشر       05/02/2010 06:00 AM


حاوره في عمان: علي عبد الامير

لاتخلو تبصرات الناقد الموسيقي العراقي عادل الهاشمي من حدة ولكنها مقامة على الية منهجية، فانهمك الهاشمي بالمراجعة الدؤوبة والمعرفة العميقة لا باساسيات الفن الموسيقي فحسب بل باتصال الانغام ببيئاتها ومناخاتها الاجتماعية والثقافية، ومن هنا فهو احد اعمدة النقد الموسيقي والغنائي في الوطن العربي الذين لايوقفون بحثهم عن التدقيق في الجوهر المقامي واللحني فحسب بل يشيرون الى كل ما يصاحب العمل الموسيقي من عناصر ومرجعيات.
درس الهاشمي الفن الموسيقي في القاهرة وعاد الى بغداد في السبعينات ليقدم بحوثه ودراساته التي وجدت صعوبة اول الامر لرصانتها وابتعادها عن المداهنة وجدتها ايضا غير ان اصرارا على هذه المعرفة وخطابها جعل للهاشمي حضوره في تدعيم الذائقة وتوجيه النصح والتقويم للعاملين في حقل الموسيقى والغناء.
واضاف الى مقالاته التي انتظم في نشرها على صفحات جريدة "الجمهورية" البغدادية منذ اواخر السبعينات حتى اليوم، فهو صاحب العديد من البرامج الاذاعية والتلفزيونية التي عنت بتقويم الاذواق والاسماع واشاعة المعرفة في فهم عناصر العمل الموسيقي والغنائي، واثناء وجوده في عمان رافقه وفد موسيقي عراقي كان يقصد القاهرة للاشتراك في تظاهرة فنية كان لـ"الراي" هذا الحوار مع الهاشمي.

• اشتغلت كثيرا على الذائقة وسعيت من اجل تدريبها على التقاط الجيد والنابه، هل توجز لنا رايك في ذائقة متدنية كالتي تسود الان؟

- لعل من مجيبات القول ان تدني الذائقة عند الاسماع هو اصلا ينشا من جمهور تعوزه الدراسة ونعوزه الاحاطة بموجبات العلم الموسيقي. من الجائز جدا ان يتعاطف الجمهور مع اية اغنية قد تنطلق من رحاب الانتاج اليومي ولكن هذا التعاطف يصطدم يقضايا كثيرة منها على وجه الخصوص ان الاغنية لم تعد تشكل التعبير الامثل من الهم الاساسي. انما اصبحت اثارة الغرائز، الى جانب ذلك فان الاغنية قد فقدت سماتها الاساسية خاصة في مجال السلامة الفنية واعني بها غياب النطق السليم والالقاء الراقي والبلاغة الادائية والاحاطة المعرفية، بالمقام الموسيقي الذي تنطلق من عالمه الاغنية او لحنها، كما يمكننا الاشارة الى غياب التكوين التربوي للاسماع فهي لايهمها من الاغنية اليوم الا اشباع الحاجة الاستهلاكية لها، اما ماترمز له الاغنية وماتعبره عنه ومدى ملامستها لواقع الانسان العربي، الغوص في حاجات الانسان للحرية والحب والخبز فهذا ليس جدير بالاقتراب منه ولذلك فانني اعزو التسطيح القائم في التلقي السمعي العربي، اعزوه الى الانكسار النفسي والهزيمة الذاتية التي يعيشها الانسان العربي.
 

 
 

• وجهت الاسماع الى ماتدعوه بـ(غناء البيئة) ماذا يعني ان تكون الاغنية ابنة بيئتها؟
- انا اعتقد ان شرف الاغنية هو وثوق صلتها بالبيئة لاعتبارات كثيرة لعل في مقدمتها ان الاغنية تمارس دورا كبيرا في تعميق حالة الفرح وحالة التثقيف الوجداني للاسماع وان انعزال الاغنية عن التركيبات الاساسية للبيئة التي انطلقت منها هو الحكم على اضمحلال الجانب التاثيري لهذه الاغنية، ماذا يعني ان تكون الاغنية ابنة بيئتها؟ ببساطة انها تعلن بصراحة انها مع احلام الانسان البسيطة ومع موروث المجتمع الذي تولد فيه ومع ذلك الحشد من العوامل المحلية ذات الطابع الفني الخاص فيما يتعلق بالنسيج اللحني وبالانغام المستخدمة والايقاعات التي تحتويها الاغنية وباللون الذي تطغى فيه او يطغى فيه الاحساس بالذاتية الثقافية الوطنية، ان اغفال كل ذلك يعني ببساطة اننا قد تنازلنا عن عمق زمني يقرب من عدد من الالاف من السنين، هذا التنازل هو الذي يطيع بشرف الاغنية وهي تهدف الى التعبير عن احلام المجموعة البشرية التي تنتمي اليها ومثال ذلك ان نجاح محمد عبد الوهاب وام كاثوم جاء بعد استطاعتهما ان يعطيا للاسماع المصرية ثم العربية الكثير من الشعور بالالفة مع فنيهما، وعندما جاء فريد الاطرش الى القاهرة في العام 1923 فانه حمل معه الكثير من الانغام السورية واللبنانية والتركية ولقد استطاع ان يطور نظرية بيلا بارتوك الموسيقية تلك التي تقول ان انتقال فن من الفنون في مجتمع انساني الى مجتمع اخر فان ذلك يعني فقدان هذا الفن لخصائصه المحلية ثم اكتساب بعض الخصائص الجديدة للمجتمع الذي استوطنه. تلك هي اعظم مغزى للاتحاد مع محلية البيئة لانها مكان وزمان الوقوف ببيئة لان مصداقية نجاحه تنطلق من شروط الالتزام بالبيئة.

• كيف نقرا انعكاس البيئة على الاغنية وهل ثمة خط تطوري يوضح ذلك؟
- اذا اردنا ان نستبصر حالة الفن العراقي استبصارا دقيقا وعادلا فاننا نكتشف ان اعظم من عبر عن احلام البيئة في اللحنية العراقية هما: صالح وداود الكويتي. اللذان وضعا اغلب اغنيات سليمة مراد وصديقه الملايه وزكية جورج. وهما اول من لحن في ثلاثينات هذا القرن وفق مقام "البسته في كار" في غنيات صارت لازمة للروحية العراقية وهي "قلبك صخر جلمود" التي لفرط جمال لحنها غنتها ام كلثوم عام 1932 اثناء زيارتها لبغداد كما نسج وقعها محمد عبد الوهاب اغنية "اجري يانيل" التي سجلها خصيصا لاذاعة لندن. ثم جاء جيل اخر مع اطلالة عقد الابعينات وبداية عقد الخمسينات جيل من الملحنينالعراقيين النابهين لعل في المقدمة وديع خوندة (سمير بغدادي) يحي حمودي، رضا علي، ناظم نعيم، احمد الخليل، علاء كامل، محمد عبد المحسن، عباس جميل، وسواهم وهؤلاء مزجوا بين قالب الاغنية العربية وروح الفن البغدادي الوثيق الصلة بالبيئة العراقية، بعد هذا الجيل ترنحت الاغنية العراقية لكنها عادت فاستقامت على يد مجموعة من الملحنين القادمين من الجنوب العراقي: فاروق هلال، طالب القرة غولي، محسن فرحان، محمد جواد اموري، جعفر الخفاف، كوكب حمزة وهؤلاء عبروا بوثوق اكبر عن ملامح البيئة العراقية على اوسع ماموجود.

    ثم جاء جيل اخر تنقصه المعرفة والدراية يتقدمهم كاظم الساهر ففقدت الاغنية العراقية اخر ملمح من ملامحها البيئية وبذلك استدل الستار على اللون البيئي الذي كانت تتحصن وتزدان به، الخوف من هذا التحول المدمر ان تبقى الاغنية العراقية تشكل مع هذا الجيل حالة من الانقطاع عن هذا الموروث الامر الذي يسهل معه اغتصاب هذا الموروث من قبل جهات اجنبية وعدائية ولهذا ارفع صوتي محذرا من الاعتكاف داخل هذه المراوحة الهدامة في افياء فنون متغربة عن واقع بيئتنا العراقية.

• لكن كاظم الساهر استطاع ان يمنح روحا جديدة لقوالب غنائية اصيلة كادت تنقرض كقالب القصيدة المغناة الا تعتبر هذا انجازا للساهر؟
- قالب غناء القصيدة ينقسم الى قسمين الاول: القصائد الكلاسيكية العمودية والثاني: قصائد الشعر الحديث. ومابين القسمين فروق جوهرية عديدة لعل في مقدمتها اختلاف التصويت الحروفي، الى جانب صعوبة اخضاع بحور الشعر الكلاسيكي للتلحين بينما نجد طواعية الشعر الحديث لفن التلحين. فاذا عرفنا هذا الامر فاننا نقول بكل حسم ان جيل التاسيس في الموسيقى العربية قد طور فن القصيدة الكلاسيكية تطويرا جذريا في البيئة اللحنية له من خلال ايضاح حروف المد الثلاثة وهي الالف، الولو والياء وكذلك من خلال معاشرة البحور الشعرية المركبة في تلك القصائد الى جانب وضعم اسسا تعبيرية في تلحين الشعر الحديث، واعني بجيل التاسيس محمد عبد الوهاب، القصبجي، زكريا احمد، رياض السنباطي، وفريد الاطرش، اما فيما يتعلق بالقصيدة اليوم فان الذين يركبون موجتها ونخص بالذكر منهم كاظم الساهر فان تلحينها يعاني من نقائص عديدة اولها: العجمة في اللفظ وسبب ذلك عائد الى غياب عنصر التدريب العلمي على قراءة وتجويد القران الكريم وثانيها: ان الساهر يبتلع نهايات الحروف العائدة للكلمة الشعرية الى جانب ذلك انه لايعرف مسالة اختلاس الانفاس في القصيدة خاصة في حروف الامتداد كما انه لم يتعود معرفة تلحين المعنى الشعري والقصيدة الناجحة هي تلحين المعنى وليس المبنى ثم هو اخيرا لايضبط اواخر شكل الكلمات فيحيل الشعر بذلك الى زجل.

* لكن الساهر في لحنه لقصيدة "انا وليلى" قارب التعبير اللحني كثيرا وبدت موسيقى الاغنية تضج بالتعبيرية فماذا تقول؟
- حتى في هذه القصيدة التي بدت مختلفة بعض الشيء وقع الساهر في خطا يكرره دائما حين يحيل (قالب القصيدة) الى (قالب الطقطوقة) فلحنه فيها يذهب الى المداعبة الخفيفة التي تفقد القصيدة رصانتها.
نشر الحوار في صحيفة "الرأي" الاردنية 4/2/1999


اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM