حوارات  



مؤنس الرزاز: السياسة العربية غير اخلاقية إلا في بعض الإستثناءات

تاريخ النشر       26/06/2010 06:00 AM


حاوره: علي عبد الامير
     أقامت الجمعية الفلسفية الأردنية منتصف الشهر الماضي ندوة عن فكر الراحل منيف الرزاز (1919 – 1984), وتضمنت تقديم العديد من البحوث التي تناولت سيرته النضالية والفكرية, وعن أعمال هذه الندوة, وعن جوانب من سيرة الراحل ومن منظور حميم وقريب حاورنا ولده الروائي الأردني البارز مؤنس الرزاز, والذي كتب مقدمة لكتاب صدر قبل فترة في عمّان تضمّن أوراقاً غير منشورة هي (رسائل الى أولادي), يقول في تلك المقدمة التي وضعها لتسليط بعض الضوء عن علاقته الشخصية والعامة بالأب – المفكِّر والرفيق ذات يوم, ما يلي: "ماذا يمكن للمرء أن يقول في منيف الرزاز؟ كيف يمكن للمرء أن يختزل واحدة من أغنى التجارب الإنسانية العربية؟ هل نقول إنه كان من أبرز قادة حزب البعث في الأردن ... ثم أصبح أميناً عاماً للحزب في دمشق عام 1965 (أي أول أمين عام في تاريخ الحزب بعد ميشيل عفلق) أم نقول أنه بات أميناً عاماً مساعداً للحزب الحاكم في العراق عام 1977؟ وإنه شارك في الهيئات القيادية للمقاومة الفلسطينية".
     * ما هو إنطباعكم العام عن أعمال الندوة ومحاورها؟ وهل غطّت جوانباً فعلية من حياة الرزاز مفكراً وسياسياً بارزاً؟
     * كانت الندوة ذات مستوى جيد ومقبول والمشكلة الوحيدة البارزة فيها, كانت في عدم وجود مشاركة عربية واسعة في أعمالها, وأعتقد أن مفكراً ومناضلاً عربياً مثل منيف الرزاز يستحق في أي ندوة تُعقد حول فكره ونضاله, أن يكون هناك تواجد عربي مكثف لطبيعة مسيرته النضالية العربية وعنايته بالقضايا العربية والقومية, لكننا نأخذ بالإعتبار ظروف الجمعية الفلسفية الأردنية, الظروف المادية على الأخص فهي لا تستطيع بميزانيتها المحدودة أن تدعو فلاسفة ومفكرين عرب من خارج الأردن, فإكتفت بإسهامات أهل الفكر والفلسفة في الأردن, وكانت أعمال الندوة ضمن هذا الإتجاه في مستوى مقبول.

مؤنس الرزاز: نفتقد الحوار الفكري العميق

     * حين تشير الى ضعف الإسهام العربي الفكري ولو على خلفية عدم دعوة الجمعية الفلسفية الأردنية لأسماء فكرية عربية, هل ترى أن الحياة الفكرية العربية لم تعد تقدِّم لنا مفكرين عضويين من أمثال منيف الرزاز؟
     * لا أعتقد ذلك ... فهناك جيل من المثقفين العرب يتوفر على نشاط واضح ومميز, لكن المشكلة التي تحجب هذا النشاط, هي مشكلة التواصل, مثلاً, إن المفكر العربي محمد جابر الأنصاري والذي فاز مؤخراً بجائزة منيف الرزاز التي تمنحها رابطة الكتّاب الأردنيين, هو من المفكرين العرب الممتازين, ولكن في غياب عاصمة ثقافية عربية أصبح وجود مفكر مثل الأنصاري في البحرين مظلوم جغرافياً, فينبغي على كل مفكر من هذا المعنى أن يولد في القاهرة أو بيروت حتى يعرفه العالم العربي, وأصوات كهذه تظهر فيما يمكن تسميته في التخوم, تتعرّض الى التهميش دون أن تدري بسبب إبتعادها عن المركز, هكذا مثلاً عرفنا بالطيب صالح, ليس عبر وجوده في السودان بل عن طريق المركز الثقافي, عن طريق القاهرة وعبر الناقد رجاء النقّاش, والذي عرّفنا أيضاً بشعراء المقاومة, وفي بيروت كانت مجلات (الآداب) و (الأديب) و (شعر) وغيرها تنشط في هذا الإتجاه التعريفي بكتّاب ومثقفي التخوم, بل إن العديد من الشعراء والمثقفين العرب عرفوا السيّاب عن طريق مجلة (شعر) الى آخر مثل هذه الأمثلة, نحن الآن بلا مركز ثقافي, بلا محور ثقافي, وكل المبدعين والمفكرين الذين يعيشون فيما أسميته بالتخوم, مظلومين, وبغياب العاصمة الثقافية التي كانت مرة القاهرة أو بيروت مرة أخرى يصبح صعباً وصول الصوت الفكري وإن كان ناضجاً.
     * حين نسألك أنت بالتحديد, فذلك ليس لوجود علاقة (الإبن – الأب) العادية بل هي أيضاً علاقة (المفكر – بالمثقف) أيضاً, إذن ما هي حدود علاقة المثقف بالمفكر السياسي حسب فكر الرزاز؟
     * منيف الرزاز كان يعتقد بأن المفكر لا بد أن يخوض معركة الحياة العامة, وبالتالي المعركة السياسية, أي إنه كان يعتقد أن أي مفكر يجلس في برج عاجي ويكتب, لا صلة له بالواقع, وهذه الصلة لن تأتي إلا عبر النضال والإشتباك من خلال قنوات ومؤسسات حزبية, شخصياً كنت أعارض الى حد ما مثل هذا الإتجاه, بمعنى أن التجربة الحزبية وصلت عنده الى حدود واضحة, لذا كنت أميل الى أن يتفرغ للكتابة والبحث الفكري, لكنه ظل مُصراً الى آخر يوم في حياته على أن المفكر عليه أن يظل في إحتكاك مباشر ويومي مع الواقع ومن خلال حضوره في الشارع والنضال اليومي, هنا هو يختلف عن الكثير من المثقفين الذي يضعون التجربة الحياتية النضالية على الرف, وأعتقد إنه كان متطرفاً في ربطه المباشر هذا, أنا أفضِّل مثلاً أن يوازن المفكر بين الإتجاهين الفكري – والعمل النضالي, كان يرى إن على المثقف العربي أن يكون سياسياً, ولم يفصل بينهما, بل كان يرى إن المثقف الذي لا يدخل في معارك الأمة, هو رجل زاهد في برج عاجي, وأعلى فكرة المثقف العضوي, والمفكر الملتزم في قضايا أمته الى حد المبالغة في ذلك.
     * تساءلت في الندوة أنت عن سبب تعرض الراحل منيف الرزاز للقمع وعلى يد نظامين ساهم الرزاز في إفادتهما بفكره وتجربته السياسية, ماذا تقول في مثل هذا الوضع؟
     * أعتقد إن السياسة العربية من المحيط الى الخليج إلا في بعض الإستثناءات لا تأخذ الأخلاق بعين الإعتبار, ولا تعتبر الأخلاق, معياراً في العمل السياسي, من هنا تأتي مأساة منيف الرزاز مع معظم الأنظمة التي تعامل معها كرفيق أو كمعارض, فهو كان يصر على المسألة الأخلاقية بمعنى إن التآمر والدسائس والغدر الى آخر هذه المفاهيم تتعارض مع الصلب الأخلاقي للفهم السياسي عند منيف الرزاز, وهناك الآن من يقول إن هذا المفهوم الأخلاقي الذي ينطوي على الكثير من الرومانسية لا علاقة له بهذا العصر, لكنني في الحقيقة أقول أن لها علاقة بهذا العصر ولكن ليس مع هذا العالم الثالث, في أوربا وأميركا لا يُخطف الإنسان في الشارع, وله حقوق وهناك مؤسسات, فبالتالي إن أي زعيم يخترق قانوناً, يُحاسَب شأنه في ذلك شأن أي مواطن عادي, خصوصاً إذا إكتشفت وسائل الإعلام هذا الإختراق, أما في العالم الثالث فهذا غير وارد أساساً, من هنا كان الرزاز يريد أن يفرض شرطاً في النزاهة السياسية, لم يكن موجوداً في العالم الثالث لكنه موجود في مناطق أخرى من العالم, إنه كان مع الديمقراطية, مع الإختلاف, وكان يعتقد أن الحزب مفتوح للإجتهادات المختلفة, ويجب أن تُعرض الآراء بحرية وتُناقش ومن ثم يُتخذ قرار بالأغلبية, مثل هذا الموقف نعم أصبح مثالياً في مثل هذا العالم الذي أصبحت فيه السياسة أقرب للغاب, نحن نعيش في الغاب ضمن عالمنا الثالث, والحديث عن الأخلاق والديمقراطية وعدم إحتكار الحقيقة وحق الإختلاف, كل هذه شكّلت مأساة منيف الرزاز.
     * الرسائل المتبادلة بينكم كعائلة وبين المفكر الراحل, كانت مادة لأكثر من مناسبة كتابية عندك, هل ترى أنها ستنتج عندك عملاً روائياً مميزاً؟
     * نعم إنها شكلت المادة الخام لعمل روائي كتبته عام 1986, هو "إعترافات كاتم صوت" والرسائل التي لا أجد إنها قد تصلح لعمل روائي أو قصصي نشرتها في كتاب بعنوان "رسائل الى أولادي" عملياً لم أدع وثيقة تستحق التوظيف الروائي أو في سياق السيرة الذاتية إلا ووظفتها, ولم يبق منها إلا الأشياء الشخصية جداً والحميمة جداً, وحياة منيف الرزاز حياة عربية بكل معنى الكلمة, ناضل في الأردن, وفي سورية والعراق وفي الثورة الفلسطينية, وهو من القلائل الذين كانت تجربتهم قومية عربية, إضافة الى تميزه بنقل الفكر الى مستوى النضال اليومي, وهي بمعانيها هذه وبوثائقها الشخصية والعامة – كتبه التي كتب الكثير منها في السجن – شكّلت عندي نبعاً أنهلُ من تفصيلاته الكثير والكثير.
*نشر الحوار في صحيفة "القدس العربي" 1996.


اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM