في تعقب خطوات ابن "أبو الصلوات"... الى قاسم القتيل (2)

تاريخ النشر       22/04/2014 06:00 AM


علي عبد الامير عجام*
عزاءات المسيب التي تستذكر "واقعة الطف"، عمّقت جانبا روحيا هاما في نفسي وتكويني، مثلما طبيعة المدينة وانفتاحها على البساتين ونهر الفرات حيث كنت أقف على سطح بيت جدي الذي كانت تسكنه جدتي الصعبة المراس، وهو ما جعلها تعيش وحيدة بعد وفاة جدي قبل ولادتي، وأتطلع من عل الى تيار الفرات وكيف ينعطف النهر في أول المدينة مشكلا في الضفة المقابلة " الجزرة" التي صارت واحدة من أخصب مناطق خيالي الشخصي، بل ان أشجارها الكثيفة في النهار وظلامها في الليل كانا بالنسبة لي مكمن اسرار الارض وغرابتها، وكنت أعتبر من يعبر اليها سباحة ويعود الى ضفة النهر من جهة محلتنا، أعتبره بطلا اسطوريا وكنت انظر اليه بدهشة واعجاب شديدين.
وكان يطل على النهر بيت ضخم " بيت دوبان"، كان قصرا بمواصفات تلك الايام، وبوابته المواجهة للنهر كانت مبلطة بالمرمر وهو مايجعلها مفضلة لجمع الاطفال من سني، فهي بفضل جدرانها العالية توفر ظلا كثيفا، ومع انسام النهر المنعشة كانت بلاطات البوابة المرمرية تتحول ملجئا باردا منعشا في ظهيرات القيظ.
قبالة بيتنا كانت زهرة التي كانت تبيعنا الحليب والقيمر واللبن، وتحمله الى والدتي في طبق مضفور من البردي وتحرص على ان تفرشه بورد الجوري بعطره النفاذ، فتأخذ والدتي الحليب والقيمر الى المطبخ، والورد لتضعه بين طيات ملابسنا المرصوفة في دولاب خشبي وضعت على بابه مرآة ضخمة.
في المسيب ايضا عرفت اشكالا من المسرات، كان اغلبها يتم في الساحة المقابلة لبيت شقيقتي المتزوجة من ابن خالتي المرحوم حسن الخياط الذي كنت اقضي فيه اوقاتا اكثر مما كنت اقضيها في بيتنا، فكنت ما ان انتهي من المدرسة واتناول طعام الغداء من يد امي التي تضع في الطعام نكهات من يديها المخضبتين بالخير والهناء، اسرع الى حقيبتي لاخرج كتبي ودفاتري وانهي واجباتي ثم امضي سريعا بدشداشتي ونعالي " ابو الاصبع" الى "محلة الجديدة"، مخترقا "محلة الدهدوانة"، لأصل الى بيت "ام محمد"، فالحياة هناك تحتشد، لا سيما مع ابن اختي طه الذي كان في مثل سني، بينما بيتنا يخيم عليه الصمت، حيث انا ووالدتي التي كانت تقضي القسم الاكبر من وقتها بين الصلاة وقراءة كتب والدها، حد انني كنت اراها على فراش الصلاة ساعات كثيرة بازارها الابيض، وكم بدت لي اشبه بالملاك الابيض وهي ترد على اسئلتي بابتسامة فاترة، ثم يرتفع صوتها قليلا بتكبيرة في اشارة الى انها على وشك ان تنهي صلاتها.

مع قاسم في بيته، يتوسطنا ابن شقيقتنا طه، بعد ايام من عودتي الى العراق نيسان 2003
 
كانت تصلي الى وقت طويل من الليل ثم تجلس على فراش الصلاة لتقرأ صفحات كثيرة من القرآن بصوت مخضب بالدمع وتنهي جلستها بدعاء تشهق خلاله روحها متوجهة الى الخالق بان يرد لها اخي سالما لا سيما انه كان خرج قبل فترة من السجن في اعقاب انقلاب 8 شباط 1963، وان يرزق أبي وان يحقق لي نجاحات دائمة ويؤنس علي وحدتي. وفي حين كنت أجد الناس تكتفي بصلاة بالكاد تستغرق دقائق قليلة، كنت أعجب لامي وهي تقضي كل ذلك الوقت في الصلاة وقراءة القرآن والدعاء، فقادتني المقارنة الى أن اعتبرها من "الاولياء" اومن "اقرباء آل البيت"، حتى سالتها مرة :" ماذا يقرب اليك الامام الحسين "؟ فردت عليّ بهدوء بانها تؤدي واجبا للخالق وهي واحدة من ملايين محبي "آل بيت الرسول الكريم".
وكان ما إن يحل الغروب حتى أسرع ركضا الى بيتنا وقبل ان يكون والدي اغلق محله على وقع صوته الجهوري بـ"الصلاة على محمد وآل محمد"، وتلك كان عادة درج عليها ما ان يضيء محله بالمصباح الوهاج " البرقي" وقبل ان يطفأه ايضا، حتى كنّاه الناس " ابو الصلوات"، ومع انني كنت اتضايق من ذلك حين كان هناك من يناديني " ابن ابو الصلوات"، الا انني لاحقا ومع توضيحات اخي قاسم و والدتي للمعنى، وجدتها كنية لطيفة وطيبة.
في المسيب كانت معرفتي الاولى والمبكرة بالكتاب، لا من خلال مكتبة اخي الواقعة في غرفة واسعة بالطابق الثاني والتي كنا نتخذها في الشتاء مناما، بل من خلال تقليد دربني عليه شقيقي، ففي اواسط الستينيات كانت المطبوعات المصرية الكثيرة تصل الى كل مدن العراق بانتظام، وكم كانت تسحرني عبارة " وصلت بالطائرة" المطبوعة على اغلفة الكتب والمجلات، ومنها كان اخي اختار المسلسل الشهري لكتاب " مروج الذهب " ثم " رحلات ابن بطوطة"، فاشترك فيهما عند " مكتبة أبو سعد"، وأوصاني بان أجلبها أول كل شهر، ومع كل مرة أحمل عددا من الكتاب المسلسل كانت اسئلة تتصاعد في رأسي عن قيمة هذه التي يحرص على اقتنائها اخي رغم غيابه للدراسة في بغداد، بل وحتى في سجنه، كنت اتطلع ايضا في عناوين واسماء المؤلفين :" عالم شتاينبك الرحيب"، " الايام" او " بطل من هذا الزمان" وغيرها. وكم كانت دهشتي كبيرة حين اخذني أخي في صيف 1965 حين كنت انهيت دراستي متفوقا للخامس الابتدائي الى المكتبة العامة في المسيب، وعلمني استعارة الكتب واختار لي احد كتب جورجي زيدان التاريخية وقال لي انه كتاب يناسب عمري.
ومع "اكتشاف" الكتاب سقط وهم كان قد كبر في طفولتي من خلال التربية الاخلاقية الصارمة التي نهلت منها في بيت عائلتي، فالى جوار المكتبة كان هناك " نادي الموظفين" الذي كان يختلط في ذاكرتي بحكايات عن سكارى، هم في هيئة وحوش انذال، فسألت اخي عن المكان وروّاده، فأخبرني انهم اناس عاديون مثلنا ولكنهم يشربون سائلا يجعلهم في حالات سلوكية غير طبيعية حزنا او فرحا، وقد يتسببون في شجارات بينهم او في داخل بيوتهم حين يعودون اليها وهم في اوضاع غير طبيعية.
كبرت في المسيب وكبرت مشاعري فيها، عرفت ترفا مع بدلاتي وأحذيتي الجديدة كل عيد، وهو كان نادرا ان يتوفر لاولاد من سني، وحقيبة جديدة مع بداية كل عام دراسي، عرفت متعة الترحال الاسبوعي تقريبا مع والدتي الى مراقد الائمة في الكاظمية والنجف وكربلاء التي ابهرتني، لا لجمالها العمراني وحسب، بل لفضاء معطّر كان ينبثق منها، رفرفة الحمام في صحن الامام الحسين، دقات الساعة في صحن مرقد الامام موسى الكاظم، الراية الخضراء على قبة الامام العباس، والشباك الذهبي المهيب الجمال المحيط بمرقد الامام علي. مثلما عرفت جمال اللغة ورقة التعبير في الادعية التي كانت تقراها والدتي بصوتها الرقيق المخضب بالحزن، والذي كان يرتفع شيئا فشيئا، كّلما تجمع حولها نسوة كن يطلبن منها ان تسمح لهن مشاركتها ادعية الزيارة.
ومن خلال الاشكال التي اتخذتها طرق جلوسي مع والدتي في السيارات التي تقلنا انا وهي من المسيب الى الحلة او بغداد او كربلاء والنجف الاشرف، كنت بدأت اتحسس ظروفنا الاقتصادية، فمن كوننا وحيدين نجلس في ابهة بصدر سيارة صغيرة من نوع " شوفر" او " فورد غالاكسي" او "دودج" الى باص صغير وسريع جدا تلك الايام من نوع " فورد " الملقب بـ"الصاروخ"، ثم في باص كبير، وتلك الانتقالات كانت منسجمة مع انتقالات والدي من محل تجاري واسع في السوق الكبير الى محل صغير في محلتنا، ثم الى عاطل عن العامل، ومعه كنا نعيش من قيمة رهن بيتنا مقابل مبلغ دفعه له احد اصدقائه من التجار، لحين تخرج اخي قاسم مهندسا زراعيا وتعيينه لاحقا في "معهد بحوث الموارد الطبيعية" في العام 1967وانتقالنا الى بغداد للعيش فيها.
ومنذ العام 2004 كانت المسيب هدفا لسيل من الانتحاريين والتكفيريين، وليس بعيدا عنها اغتالوا " العراق الجميل " حين اطلقو النار على اخي قاسم المفكر والناقد والمدير العام للشؤون الثقافية العامة واغتالوا معه احد العقول العراقية " النادرة" المهندس باسل نادر، فيما اصيب ابن اخي حيدر بجروح خطرة.
لكنني هنا ساتوقف عند عمليتين ارهابيتين ضربتا قلب المسيب وذاكرتها الروحية في صيف العام 2005 وخريفه. فـ"الحسينية" والشارع العام المكتظ بالمحلات والاسواق وعيادات الاطباء، هما المكانان "المفضلان" في المسيب لاساطين القتل الجماعي الخارجين من مخابىء الانتقام والقسوة، واستهداف المسيب، يأتي كونها مدينة التعايش الطائفي، وهو ما يجعلها " خاصرة ضعيفة"، يمكن من خلالها تحقيق المواجهة الطائفية، والتكفيريون لايكرهون شيئا قدر كراهيتهم للتعايش الانساني، وفكرتهم قائمة على كراهية الاختلاف حتى وان كان " المختلفون" هم من اتباع الدين الواحد. كما ان المسيب بما حفلت به من صداقة عميقة مع " الفرات" وما وهبها للمدينة من بساتين ومزارع مثمرة، انفتحت على الطيبة ولطالما كان اهلها مجبولين على معشر سمح، وهذا نقيض الكراهية التي يبني التكفيريون وفقها اماراتهم اينما حلوا.
سيناريو تحويل المسيب الى فرن بشري في تموز الماضي(2005)، كان قائما على النقيضين : طيبة اهل المدينة و قوة الكراهية في انتقام التكفيريين، فالمخطط الذي نفذ لقتل اكبر عدد من الناس هدف ايضا الى تدمير مركز روحي لطالما شع في قلوب عشرات الالاف من ابناء المدينة: حسينية اهالي المسيب. المخطط اعتمد وسيلة " مبتكرة " الا وهي تفجير شاحنة ضخمة محملة بعشرات الالاف من غالونات وقود غاز الطبخ سريع الاشتعال.
وعلى جاري عادة الناس من اهل المدينة فقد صدقوا كلام السائق عن عطل مفاجىء للشاحنة التي اغلقت الطريق امام السيارات والمارة، فاكتظت الشوارع والمقتربات التي تؤدي الى الحسينية، ثم تمر دقائق قليلة ليأتي انتحاري ويفجر نفسه قرب الشاحنة التي تطلق كرة هائلة من اللهب اكلت في ثوان قلب المدينة وروحها.
اجساد طارت في الهواء لتتحول الى جثث متفحمة، نار من سعير دخلت المحلات والاسواق واندفعت الى البيوت، وفي نحو رمش عين، كانت الكراهية حولت المكان الذي لطالما ابترد من نسيم الفرات الى فرن بشري.
احترقت كتب الله واياته في "الحسينية"، و قتل الحسين الذي كان ابتسم لي في مواكب تخلد مأثرته، واحترق المكان الذي لطالما حملت منه الكتب والصحف والمعرفة الى اخي قاسم، فيما كانت ضحكات القتلة تأتي بفرح هستيري من الضفة الاخرى للفرات والمؤدية الى جرف الصخر.
قتل (ابن مسلم) الذي فيّ، مثلما تفحم جسد (القاسم) في اخي، وجفت بتأثير نار الفرن البشري اصوات ابي "ابو الصلوات" ولم يعد ممكنا نداؤه الجهوري :" اللهم صلي على محمد وآل محمد"، مثلما احترق جسد طفل كان التصق مرعوبا بجسد امه في باص ذاهب الى كربلاء، واحترقت راية حسينية كانت خضراء ولطالما هزتها يدي بجذل.
احترق جوري بائعة الحليب، وتهشمت لوحة "اية الكرسي" في محل خياطة عمي الحاج عبد المنعم، وسال دم في محل ابن خالتي حسين الخياط، واختلطت سوائل الادوية و حبوب المضادات الحيوية بنثار البارود في صيدلية مكي ابن عمي، غير ان صوت امي مخضبا يأتي ثانية وهو ينوح على اخي في غيابه باحد السجون او ينادي عليّ، وانا اندس بين عشرات ينزلون الى شاطىء الفرات كي نضع الشموع على ألواح خشبية، لتتراقص الانوار على أمواج النهر في الليل، علّها تضيء أرواحنا حين تصل الإمام الساكن في الماء، الإمام الخضر.

*النص نشر في موقع"ايلاف" كانون الاول 2005 واعادت نشره مواقع وصحف عراقية. 
 
 


اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM