حوارات  



هدى عبد الله: اصلاح حال الموسيقى العربية عبر التربية فالتربية ثم التربية

تاريخ النشر       21/09/2014 06:00 AM


حاورها في القاهرة: علي عبد الأمير*
من كان استمع الى التجربة الفريدة التي شكلتها اسطوانة "وجوه" التي وضع موسيقاها وغنى فيها المطرب البحريني خالد الشيخ اعتمادا على شعر ابن وطنه قاسم حداد، كان قد توقف مليا عند صوت من نوع آخر، صوت يفيض روحية في الاداء مثلما هو من خامة بات نادرا التعرف عليها في المشهد الغنائي العربي المعاصر، فالمطربة هدى عبد الله الحاضرة في "مهرجان الموسيقى العربية" بالقاهرة كعضو في لجنة تحكيم مسابقة المهرجان في دورته العام 2010 والمخصصة للغناء، هي صوت مختلف تشكل في حاضنة اكاديمية (انهت دراستها الموسيقى والغناء بالقاهرة اواخر ثمانينيات القرن الماضي)، وبرز في اجواء موسيقية منفتحة على وعي فكري وفني متقدم عبر العمل في فرقة "اجراس"، والتزمت صاحبته شكل الغناء الراقي عبر غناء القصائد والانفتاح ما امكن على "غناء عاطفي" مرهف ورصين كما الحال في تجربتها الاخرى مع خالد الشيخ ضمن اسطوانته "مستحيل".


هدى عبد الله في احدى حفلاته الغنائية 2009
 
عن سيرتها الغنائية وحال الموسيقى في بلادها والوطن العربي عموما كان لنا معها هذا الحوار:

*هناك من يصفك بانك "مطربة ملتزمة" ماذا عنى هذا لك وهل حدّ من انتشارك؟
- اعتبر هذا "الالتزام" الذي بدا حاضرا منذ شريط (غناوي الشوق - 1990 منحني نوعا من التميز، جعلني أختار بامعان نصوص اغنياتي، وأذهب نحو النغم الذي يرقى بذوق الانسان ومشاعره. صحيح ان هناك نوها من الفجوة واضحة بين اغنياتي والمتلقي العادي، ولكن ارى ذلك  الى مسؤولية مؤسسات الانتاج الغنائي والعاملين في مجالات دعم العمل الفني، لكنني اقول انه يمكن المزاوجة بين جدية الشكل الموسيقي وقبول الاغنية المختلفة شعبيا عبر توسيع دائرة الجانب العاطفي واخراجه من مدى التعبير عن علاقة المرأة بالرجل الى مستويات أوسع، كالغناء للصداقة، للوطن، ولكن دونما خطاب مباشر فج، ودون "نخبوية" وتعالي على المتلقي العادي.

* تؤكدين على المفردة الشعرية وتحديدا في قصائد بالعربية الفصحية، هل الاغنية عندك كلام شعري قبل كل شيء؟
- اعتبر الكلمة عاملا حاسما في تحديد مصير الاغنية ثم يأتي بعدها الصوت المؤدي فاللحن الموسيقي، أميل للشعر العربي في تجاربه المعاصر، فقد غنيت من نصوص محمود درويش، قاسم حداد، علي الشرقاوي وغيرهم . وأعتبر اختياري هذا اساسا في كونه طبع تجربتي الغنائية بملامح تنسجم مع شخصيتي حتى وان جعلتها في دائرة "الموقف السلبي" من قبل مؤسسات الانتاج الغنائي، فانا حين اخترت تقديم اعمال خارج التداول "الشعبي" فانا لم أقصد ان تكون غير عابئة بالمتلقي العادي، بل انني قدمت اعمالا كي تنال رضا الناس وتقديرهم، وهو ما اتلمسه عقب كل حفل، واذا كانت تلك الاعمال لم تصل الى المتلقي العربي فقد يكون وراء ذلك تقصير المؤسسات الفنية البحرينية ووسائل الاعلام ايضا.
ان اي مراجعة نقدية لاغنية الماخوذة من قصيدة محمود درويش " عندما يسقط القمر" التي لحنها اليمني جابر علي تؤكد كلامي عن "التقصير" في وصول الاغنية الى مديات التلقي الواسعة التي تستحق، فان تلك القصيدة المغناة تنسج قالبا غنائيا كلاسكيا وفق حساسية معاصرة، عبر صاحب النص مرة وعبر الاداء الذي اعتبره النقاد والموسيقيون مرهفا وعميقا. ومثل هذا المعنى تكرر في اداء "غزة" بحسب نص الشاعر علي الشرقاوي ولحن خليفة زيمان الذي خبر قدراتي كرفيق حياة وموسيقي بارز، وحققت نجاحا حين قدمت في احتفالية "القدس عاصمة للثقافة العربية".

*احيانا تبدو اغنياتك المعتمدة على الشعر العربي المعاصر وكأنها خارد بيئتك الوطنية والثقافية، اقصد بيئة البحرين والخليج؟
- منذ شريط " تقصيت الخبر- 1995" كنت منفتحة على فضاء اوسع من اللون الخليجي في الغناء، لم أهمل التعبير الراقي عن البيئة المحلية البحرينية، فمن يسمع اغنيتي " ليل المحرّق" التي صاغ كلامها الشاعر علي عبد الله خليفة ووضع لحنها خليفة زيمان، فانه يصل الى عمق حكايات "المحرّق" المنطقة الشعبية المعروفة عبر تصوير شعري مرهف ولحن لا يستعيد بملل الايقاع التقليدي للاغنية الخليجية، وباداء كان صوتي فيه صوت عاشقة يبوح عن المكان والاهل والاشواق المكتومة.

* في حديثك عن تجربتك الغنائية شيء من الاحباط لكنك لا تخفين رغبتك الشديدة في التواصل مع اجواء الاغنية المعاصرة؟
- انا افهم عملية الانتاج وما تحتاجه من نفس جديد، وانا انظر الى العديد من التجارب الجديدة في الغناء باحترام وتقدير عاليين، لكنني اشكو قلة الفرص، ضيق المكان البحريني، والفهم الضيق لمؤسسات الانتاج، لكنني لا أتردد في تقديم اغنيات جميلة تنطلق من البيئة المحلية كما في "بحرينية" الاغنية التي كتبها بلهجة دارجة اقرب الى العربية الفصيحة الشاعر علي الشرقاوي ولحنها خليفة زيمان، وهي اغنية تتوافر بانسجام على مختلف عناصر النجاح في الاغنية: الكلام الذي يستعيد صورة المكان البحريني وانسانه تاريخا وراهنا واللحن الايقاعي الرشيق والمعاصر. انا لا اتردد عن مقاربة الغناء الجديد ولكن مع الحفاظ على مستوى معين من الرصانة، المستوى الذي يبدو ان مؤسسات الانتاج ظلت اسيرة الخوف منه.

* في تجربتك اعتمادا على الحان المطرب خالد الشيخ الذي شاركك  الغناء في "مكان آمن للحب"، ثم اغنية "مستحيل" ولاحقا "لاخط ..لاهاتف" كنت الى جانب الشيخ ثنائيا خسرته الاغنية العربية المعاصرة وتحديدا العاطفية الرقيقة، لكن تلك التجربة لم تتكرر؟
- انظر الى تلك التجربة المشتركة باعجاب ممتزج باحترام لصاحب تلك الالحان، وانا متيقنة من المستوى الفني العالي لخالد الشيخ وانه لم يكن يضع لي الا الالحان التي تناسب شخصيتي وفكرتي المسؤولة عن الاغنية كوسيلة تعبير مرهفة، وإن كانت عاطفية بروحية معاصرة ، وارى انني لم أخسر شحنة العاطفة في صوتي وغنائي حتى وان قاربت الغناء الوطني بابعاده الفكرية والانسانية، كما هو في ما قدمته في اغنيات مثل "ليل المحرّق" او اوبريت"حكاية من قرطاج" الذي صاغ الحانه التونسي محمد القرفي واوبريت "زمن الحجارة" الذي قدمت فيها قصيدة محمود درويش "غريبان" بحسب لحن تعبيري جميل وضعه خليفة زيمان.
وانا اذ أشير الى تلك التجارب بمحبة لكنني لا أخفي احساسا بالاسى حين عشت ومجموعة من المطربين والموسيقيين البحرينيين تجربة حزينة هي المشاركة في "مهرجان  جرش" العام 2007 اذ اعتبرها نموذجا على تقصير مزدوج للاعلام والمؤسسات الفنية حين لم تحفل مشاركة البحرين الغنائية باي حضور جماهيري.

*مالجديد؟
- دعني أغيّر نبرة حديثي التي تبدو وكأنها متشائمة لصالح اخرى متفائلة، فأشير الى تجربتي الغنائية بمصاحبة الفنان الشاب خالد فؤاد ضمن أحداث الفيلم البحريني  الجديد "حنين" للمخرج حسين الحليبي والذي وضع موسيقاه خليفة زيمان.

* اي دور ترينه لك في مؤسسة علمية وفنية كالمجمع العربي للموسيقى؟
-الى جانب تجربتي التربوية الفنية في البحرين حيث أعمل في برنامج لتعميق التربية الموسيقية والفنية بعامة في مدارس بلادي، وأعتبره جانبا بارزا لايقل اهمية عن ميدان عملي في الغناء، فانني كمطربة و"تربوية" أمثل اليوم وطني البحرين في "المجمع العربي للموسيقى" التابع لجامعة الدول العربية ، وأتأمل من رئاستي "اللجنة التربوية" فيه ان أثير قضايا المنهاج التربوي الموسيقي العربي وفق روحية جديدة تنفض الغبار عن هذا الملف الذي لم يجد عناية يستحقها، وانا اشدد على ان اصلاح حال الموسيقى العربية يبدأ اليوم من التربية فالتربية ثم التربية.


 * الحوار أجري العام 2010 لصالح مجلة "الموسيقى العربية" الصادرة عن "المجمع العربي للموسيقى"

 

 



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM