"قتل الملاك في بابل": احتجاج وعرفان..وملاحظة

تاريخ النشر       03/10/2014 06:00 AM


جاسم العايف

يتألف هذا الكتاب* من(468 ) صفحة من القطع الكبير. هو صرخات احتجاج دَوتْ في كل مكان بهذا العالم، والذي يتواجد فيه عراقي، لأي ظرف كان. انطلقت الصرخات المُدينةَ لجريمة بشعة، من الحلة وبغداد والبصرة وعمان وبيروت ودمشق وباريس ولندن وواشنطن وموسكو والسويد وهولندا وفنلندا وكندا ولاهاي واستراليا والنرويج والمانيا..الخ.

الكتاب كما ذكر محرره الشاعر والناقد الموسيقي والإعلامي والطبيب البيطري" علي عبد الأمير عجام": عرفان، و ثناء، وغضب، واحتجاج. احتجاج على كل مؤسسة ونظام ومجموعة خططت وعملت على عرقلة بناء وصياغة مستقبل العراق الحر الآمن . وعرفان لكلّ مَن كتب بحق الكاتب والناقد و(المفكر) "قاسم عبد الأمير عجام"، وأدار ندوة ونظم أمسية عن سيرته وانجازه وفكره؛ عرفان بجهد زملاء من كتاب ومثقفين أحرار، شهقوا ألماً من أجل "قاسم)"(ص9 ). الذي أنهى حياته الحقد والكراهية والضغينة، وطال القتل المفكرين والمثقفين والكتاب والصحفيين والعلماء والمهندسين وأساتذة الجامعات والكفآت العلمية والمهنية، حتى تجاوز عدد الضحايا الألف، وما زال مستمراً.

 
هي بربريات أصابت وتصيب الثقافة الوطنية العراقية والمجتمع العراقي في الصميم. أصوات الإدانة التي ضمها الكتاب، وعمل محرره على بذل جهد واسع لمتابعة عشرات الموقع الالكترونية ومثلها الصحف الورقية، وَردَ فيها مقال أو معلومة عن جريمة اغتيال "قاسم " وبعضها، غيرَ عنوانها، وعلقَ عليها، وصحح معلومة وردت فيها خطأ أو سهواً . وكان ذلك ضمن الفصل السادس(ص291-404) الذي أطلق عليه تسمية "اغتيال الأمل". وساهم فيه: " طه محمد حسن ود. نادية غازي العزاوي وناجح المعموري ود. ثامر العذاري، الذي اغتيل عام 2007، وسلام حربه وسهيل نجم وشاكر الانباري، والشاعر احمد ادم- المغدور أوائل عام2005، وفي ذات المكان والطريقة التي اغتيل فيها قاسم عجام، وجهاد مجيد وعبد الخالق كيطان وعلي الحلي وفاضل السلطاني وفاطمة المحسن وجاسم المطير وكاظم غيلان وموسى الخميسي ومحمد غازي الأخرس ومهدي النجار وموفق محمد ونعيم عبد مهلهل وتوفيق التميمي وصلاح حسن وزعيم الطائي ورشيد الخيون وسعد جاسم وناهض الخياط وعبد الوهاب الياسري وجاسم العايف وسعد صلاح خالص واحمد الناجي ورعد كريم عزيز وستار موزان، ووزارة الثقافة والمنتدى الثقافي العراقي في موسكو، و جَمع من أدباء محافظته (بابل)، وختام هذا الفصل، مقالة كتبها القاص والروائي الراحل (فؤاد التكرلي) بعنوان:"تساؤلات موجعة أمام المبدعين العرب" ونشرها في جريدة الشرق الأوسط اللندنية عام2002 يستعيد فيها ما تضمنه لقاء جمعه مع الناقد قاسم عبد الأمير عجام، على هامش"مؤتمر بغداد الأول للإبداع الروائي"(ص397-402 )، ومن المصادفات أن (قاسم) رحلَ ولم يطلع على هذه المقالة.
وافتقدتُ، في هذا الفصل، مقالاً مملوءاً بالحزن والأسى، للدكتورة (سلوى زكو)، نَشرتهُ في الصفحة الأولى لجريدة (المدى)، بعد اغتيال قاسم مباشرة. كل هؤلاء الكتاب وغيرهم ممن لم يتسع هذا الكتاب الضخم لكلماتهم، أعلنوا إن الطلقة التي حفرت ثقباً في جبهة "قاسم"، كانت إشارة أولى إلى حملةٍ منظمةٍ للنيل من رأس العراق، وعقله وقلبه. الطلقة تلك كانت بداية تصفية علماء العراق ومثقفيه وكتابه وصحافييه، حملة تصفية لـحراس الضمير الوطني العراقي: "كلما خضت في تاريخ هذه الهجمة الهمجية الكبرى، وددت لو أن البشرية لم توجد على هذه الأرض، لأن همجية الإنسان معززة بوجود العقل المدبر، يفتح أبواب الخيال والفعل الإجرامي على مصراعيها./هادي العلوي/".
في صباح 17/أيار/ عام 2004 استهدف رصاص القتلة " قاسم عبد الأمير عجام " الكاتب والناقد والمثقف العراقي- الوطني، الذي دأب في كتاباته على كشف الحقائق، عبر لغة مطواعة عميقة ثرة. فعلى مدى أكثر من عشرين عاماً نشر ما يتجاوز الـ (300 ) مقالة ودراسة وبحثاً في النقد التلفزيوني فقط. في صحف طريق الشعب والثورة و الفكر الجديد، ومجلات الإذاعة والتلفزيون، وفنون وآفاق عربية، والثقافة الجديدة، والثقافة- للدكتور صلاح خالص- التي يذكر انه كتب فيها حوالي (40 ) دراسة ومقالاً نقدياً، ويؤكد إن: " جو التسامح الفكري والرصانة العلمية الثقافية الذي عشته مع رئيس تحريرها الأستاذ الدكتور صلاح خالص، رحمه الله، وزوجته الفاضلة الأستاذة الدكتورة سعاد محمد خضر، التي قادت المجلة بعد رحيله عام 1986، قد كان أخصب تجربة ثقافية لي. وان الحرية التي مُنحت لكتاب المجلة في قول كل ما يريدون دون رقيب، قد أخصبت مقالاتي وكتاباتي، بحرارة وجدية شهد ليَ بها، حتى بعض من تناولتهم بالنقد الهادف"(ص 42- 43).
وأحدثت متابعاته النقدية المتواصلة للدراما العراقية والعربية، والسهرات التلفزيونية والمسرحيات، والأفلام السينمائية، اهتمام الوسط الثقافي والشعبي.لقد انطوى المنهج التطبيقي النقدي لـ "قاسم عبد الأمير عجام" على أصالة الكاتب والمثقف العلماني/العضوي/ الذي وضع التوجهات الثقافية، والسياسية- الاجتماعية، في كل ما كتب . وبقي باحثاً عن الحقيقة ونسبيتها، وتقديمها لمعايشي تلك المرحلة الملتبسة ثقافياً وسياسياً. وبقي" قاسم " يسجل ويكتب ويُوضح للناس، من دون كللٍ، عما يكمن خلف الثيمات والأحداث والرؤى، والشخصيات الدرامية واستجاباتها ومواقفها، و لم يبحث أو ينهج في كتاباته عن المعاني المجردة الباردة ولم يلهث خلف"الموضة" أو الموضوعات الأدبية الملفقة.
ومن هنا كتب عن مرحلة الستينيات:"كانت مقاهي بغداد تلك الفترة تشهد تجمعات ما عُرف بأدباء الستينات. ومع كثرة فراغي ومتابعاتي لتلك التجمعات في مقاهي حسن عجمي والبلدية وغيرهما، وما ينشر لهم في الصحف وما يتداولونه.. لم اشعر أن هذا الأدب، يستوعب معاناة مجتمعنا في تلك الفترة، بقدر ما يمثل هو نفسه حصيلة للضياع وتخلف الواقع الاجتماعي كله."(ص41 ).
لقد أعتمد العقل وفعل نظرته ورؤاه التقدمية، للواقع العراقي وحراكه، متميزاً بدقة وكثافة الملاحظة والاستدلال، في النظر والأحكام مستثمراً في ذلك فكره التنويري. وكما تصفه الدكتورة " نادية غازي العزاوي:" حياة قامت على أربع ركائز متلازمة لم تعرف يوما انفصاماً أو ازدواجية. وعي سياسي وانتماء يساري لم يتخل عن منطلقاته وثوابته أبداً، وأحلام شاسعة بوسع الوطن الذي أحبه من الأعماق، وآمن بتاريخه، وحضارته وعطاء ناسه، وخيبات لاذعة، على المستويين الشخصي، والوطني، وقلم مثابر ناضج مستوفٍ لأدواته، لم يكف عن الكتابة إلا لحظة اخترقت الرصاصة رأسه"(ص76 ).
لقد استثمر ووظف ثقافته بقدرات نقدية مهنية متميزة، وعمل في كتاباته ومتابعاته الثقافية- الاجتماعية المتنوعة، على كشف ما هو ملتبس وغائم ومغيب، عبر منهجية التحليل النقدي وأسئلته، لاستنفار معارف وعقل القارئ أو المشاهد وتجاربه، وتشغيل مخيلته بغرض تفعيلها، على أن ثمة ما هو أبعد مما رأى أو سمع، في تلك الدراما أو السهرة التلفزيونية، أو التمثيلية أو العرض المسرحي، أو الفيلم السينمائي، وعليه تفعيل معارفه وعقله وذاته الإنسانية، لاختراق ما مسكوت عنه، ولاستنطاق الأحداث والأفكار وصمتها المفروض من الخارج، ومن الصعوبة بلورتها بوضوح أو الاقتراب منها عندئذ، إلا بتفعيل الرمز واللغة وغناهما.كما عمل برؤيا واقعية مسؤولة متجددة في ضرورة تفعيل التمتع بالحرية، والدور الاجتماعي الذي يؤديه وينهض به الكاتب والمثقف الوطني، بعد انهيار النظام السابق. وما استجابته للخدمة العامة، مع تلمسه المخاطر الشخصية المترتبة على موقفه، بسبب غياب منظومة الأمن الوطني العراقي الفعال، إلا الدليل على ذلك.
اختار محرر الكتاب إن يبدأ بتوضيح، ذكر فيه:" هذا كتاب ثناء على سيرة عطرة وشخصية تُحتذى، ليس لان صاحبها، هو أخي وحسب، بل لأنها سيرة نقاء وسط أجواء آسنة، إنها سيرة محبة". تألف الكتاب من سبعة فصول هي" قاسم.. مذكرات أو شبه". والثاني" قاسم..ناقدا ثقافيا"، وأي مراجعة وفحص لما تركه الراحل من كتابات نقدية وفكرية، ستؤدي إلى حضوره "ناقدا ثقافياً" بدءاً منذ أوائل السبعينيات، وذلك بعبوره حدود الأدب إلى سعة الثقافة، بصفتها جملة الفاعليات، والمجالات الإنسانية التي تتبدى في السلوك والتفكير معاً، مما يُيسر تعلمه ونقله عبر الأنساق والنظم الاجتماعية، كون إن (النقد الثقافي)نشاط فكري يعمل على اتخاذ الثقافة بكليتها وشموليتها ثيمةً لأبحاثه وأفكاره، ويعبر عن مواقف إزاء تطوراتها وتمظهراتها المتعددة في النص، وكذلك من مهماته الأساسية والفعالة، تمكين النقد، على الخروج من الهيمنة النقدية التي تحصر النتاج الأدبي منهجياً داخل إطار العملية الأدبية، وأسرار إنتاجها فقط . وبالتالي فأن "النقد الثقافي" يمنح النقاد قدرة على تناول مختلف أوجه الثقافة، خاصة صلتها الاجتماعية المرتبطة بالعملية الإبداعية، والتي يعمل النقد الشكلاني على تجاهلها أو التنكر لها. والنقد الثقافي في ممارساته النقدية الفعلية هو محاولة في:" توظيف الأداة النقدية توظيفاً يحوّلها من كونها الأدبي إلى كون ثقافي، وذلك بإجراء تعديلات جوهرية تتحول بها المصطلحات لتكون فاعلة في مجالها الجديد"(د. عبد الله الغذامي/النقد الثقافي:قراءة في الأنساق الثقافية /23).
والفصل الثالث:"قاسم..ناقداً سينمائياً" وله في هذا الشأن عشرات الدراسات المنشورة في الصحف والمجلات، وكذلك صدر له كتاب"الضوء الكاذب في السينما الأمريكية"/الموسوعة الصغيرة/445/ دار الشؤون الثقافية- بغداد ط1-2001/. ويتابع فيه نقد ثقافة العولمة والسينما الأمريكية. والفصل الرابع"ناقداً..تلفزيونياً". وفيما يخص (النقد التلفزيوني) فان "قاسم عجام" في صدارة مْنَ عمل على متابعة التلفيزيون، وما يُعرض أو يقدم فيه، إذ الأفكار والثقافة، عبره، تصل إلى عدد واسع من الناس، وهو ضمن القلة، عراقياً، مَنْ تنبهَ لذلك ونبهَ إليه، وبذا يكون كما ذكرَ:" إن هذا يسمح لي بالادعاء ريادة الكتابة (النقدية التلفزيونية) وان كثير من الكّتاب والمعنيين بهذا الشأن، شهد لي بهذا السبق" (ص 244 ). وللأمانة والتاريخ يذكر إن: " محمد سعيد الصحاف" رئيس المؤسسة العامة للإذاعة والتلفزيون في النظام السابق، استضافه في مكتبه، أواسط عام 1976، وشدد بثناء وشكر عميقين، على مهنية وحيادية وواقعية كتاباته، وتمنى عليه الاستمرار في ذلك لأهمية طروحاته وكتاباته عن التلفزيون(ص241– 289).
أما الفصل السابع فحمل عنوان" إلى..أخي قاسم" وهي استذكارات ومراث كتبها الشاعر(علي عجام) عن (قاسم) منذ فتوته إلى لحظة اغتياله. كذلك ضم الكتاب ببلوكرافيا موسعة عن دراساته وأبحاثه العلمية والمهنية، والتي ساهم بها في المؤتمرات العلمية المتخصصة بذلك، داخل العراق وخارجه، إذ إنه متخصص بالعلوم الزراعية، وحاصل فيها على شهادة الماجستير، من جامعة بغداد. وصدر له عن وزارة الثقافة والإعلام/ سلسة الموسوعة الصغيرة/262 عام 1986/كتابه"تعايش الرايزوبيا والبقوليات أسسه وتطبيقاته". إضافة لثبت موسع بنتاجاته الأدبية والثقافية المتنوعة المخطوط منها والمنشور.
ثمة ملاحظة، حول هذا الجهد المتميز الذي بذله محرر الكتاب، وتتعلق بما أطلق عليه في العنوان بـ(المفكر)، وهذه الملاحظة، قطعاً، لا تبخس الراحل الشهيد (قاسم عجام) حقه، إذ تمنيت على الشاعر(علي عجام) لو استعاض عنها بـ(الباحث) لكون هذه الصفة، تنطبق على (قاسم) وذلك عبر مساهماته الجدية المتنوعة، التي كان عليها خلال المؤتمرات العلمية- البحثية الدولية، عند مشاركته فيها خارج العراق أو داخله، بمجال تخصصه العلمي الدقيق، وما قدمه فيها من بحوث علمية أصيلة ومبتكرة. وتنسحب كذلك صفة( الباحث) على عطاءاته الثقافية-الأدبية المتنوعة، التي لا يمكن الاختلاف حول أهميتها، وتنوعها، وتميزها، منذ معرفته، باحثاً وكاتباً جاداً في المشهد الثقافي العراقي. 

 * " قتل الملاك في بابل ..المفكر والناقد قاسم عبد الأمير عجام نصّا ورثاء" /تحرير علي عبد الأميرعجام/ ط-1/2010 /المؤسسة العربية للدراسات والنشر/ بيروت.



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM