حوارات  



عبد المجيد الخوئي: الثقافة والدين على خطأ في محاولة كل منهما اختزال الحقيقة

تاريخ النشر       08/10/2014 06:00 AM


حاوره في لندن: علي عبد الأمير*

     يقدم أمين عام "مؤسسة الخوئي" السيد عبد المجيد الخوئي نموذجاً لافتاً في مقاربة صورة رجل الدين الفقيه وهو ينشغل بالحياة ومعطياتها, مثلما هو مشغول في تدعيم الأصول, الإنفتاح على الحياة, قاده الى انفتاح على قضايا كانت توصف بأنها أقل مما يجب ان تشغل رجل الدين, ومن هنا ديناميته وقيادته الرائدة للمؤسسة التي تحمل أسم المرجع الشيعي آية الله العظمى أبو القاسم الخوئي, وتعمل على خدمة قضايا بارزة منها التقريب بين المذاهب, الحوار بين الأديان, والحوار بين الحضارات.
     ومن بين كل هذه الإنشغالات التي يتولاها بدأب, لا يتردد السيد الخوئي عن الحديث بجرأة عن علاقة مازالت شائكة: علاقة الدين مع الثقافة, وفي حواره مع "المسلة" إجابات عن هذه القضية, إتسمت بالحيوية والجرأة كما هي دائماً طريقة السيد الخوئي وفكرته.
     لنتحدث أولاً عن قضية تبدو شائكة في بعض اطرافها, وتكمن في مدى علاقة الدين بالثقافة, اما الشائك في هذه القضية فهو, برأيي, تلك النظرة السائدة حول الثقافة والتي ترى انها تنحصر في الأشكال المدنية الحديثة في الفكر والمرتبطة بالغرب عموماً وهي ترى ان الدين عامل مُحبِط ومُعيق في الإتصال المعرفي مع الثقافة. كيف تنظر لهذه القضية؟
     لا أدري إن كان يمكن اختصار سؤال متشعب مثل هذا بجواب يوضح الإرتباط بين الدين والثقافة. إذ ينبغي العودة في البدء لتعريف معنى الثقافة وما المراد بهذا المصطلح إزاء مصطلح مثل الدين, بإعتقادي فإن هذا الموضوع غالباً ما يُطرح بين فينة واخرى وبطرق تتفاوت بإختلاف فهم موضوعة الإرتباط بين الدين والسياسة او بين الدين وأنظمة الحكم أو بين الدين والثقافة او العلم والخ ... يمكن تشبيه هذه العلاقة المتغيرة بين الدين والأطراف الأخرى بأمثلة عديدة, مثال على ذلك, العلاقات التي تنتظم بين أنواع التجارة المتعددة, فالتاجر يسمى تاجراً بشكل عام لكن التاجر الكبير يتخصص في مجال تجاري معين أو مجالين حسب ظروفه وتجربته إذ ربما يعد هذا النوع أفضل من سواه, تاجر الطعام, مثلاً, يعتبر هذه البضاعة دائمة الرواج كذلك تاجر البترول لأن المادتين, الطعام والطاقة ضروريتان لإدامة الحياة في العالم, وحين يرى التاجر أن تجارة نوع معين يدر عليه ربحاً فسيعتقد أن هذا النوع هو التجارة الحقيقية أما غيره فلا يعدّه تجارة بالمرة وحين تناقش معه الأمر سيبرهن على رأيه بنجاح تجارته, كذلك الأمر في تفاصيل الحياة الأخرى, فالثقافة والدين يقعان في الخطأ نفسه حين يختزلان الحقيقة في كل منهما, الثقافة تختزل الحقيقة في المدنية فقط أو في معرفة جزء معين من الثقافة كالأدب او القصة او الشعر او المسرح, او أن يعتبر المثقف العلماني أن التطور المدني الموجود في بعض البلدان هو برهان على أن الثقافة هي المدنية فقط, أي أنه يختزل الكل في الجزء بينما أرى ان الدين بمعناه المكثف, بقدر ما يتعلق بالثقافة, هو مجموعة قيم ومباديء أنزلها الله سبحانه وتعالى للإنسان لتكون أسساً أولية لنمط معيشته, والقيم هذه تتساوى في كل الأديان وهي الرسالة الأولى لجميع الرسل والأنبياء, الجانب الآخر من الدين هي الشعائر والطقوس وهي بالتأكيد تختلف من دين لآخر, فالشعائر اليهودية هي غيرها في المسيحية والمسيحية تختلف في الشعائر عن الإسلام, بنفس المنطق, يمكن ان نتحدث عن المذاهب وإختلافها ضمن الدين الواحد, الثقافة المدنية وحدها لا يمكن ان تؤمن سعادة البشرية وهذا ما يتضح جلياً في المدنية الغربية السائدة, وعلى رأسها تجربة المجتمع الأمريكي, فها نحن ننظر الى التطور العلمي الهائل في أمريكا, وهو تطور وصل حد إستنساخ البشر وصناعة الروبوت الآلي, ووصل حد سيطرة الولايات المتحدة على العالم كله وحتى على الفضاء الخارجي, لكن في الوقت نفسه, وبنظرة سريعة في الإحصاءات الرسمية الحكومية التي تُنشر في أواخر ديسمبر من كل عام, سيرى المرء صورة أخرى لهذا المجتمع, من الفساد الى التفسخ العائلي الى إزدياد معدلات الجريمة والمخدرات ..... الخ, هذا الجانب مسكوت عنه دائماً فعلى الإنسان ألا ينبهر من بهرجة المدنية وتطور الدول العلمانية, إذ لا يمكن لدولة عظمى مثل أمريكا ان تستغني عن الدين أو ان تعتبره شيئاً زائداً في المجتمع او أن يكون سبباً للتخلف كما هي النظرة السطحية السائدة, أنا اعتقد ان الدين والتطور المدني والعلمي وسيلتان لتحقيق سعادة البشرية, أنهما متكاملان إذ لا نفع للتطور دون أخلاق كما لا يمكن للدين وحده دون تطور مدني, أن يحقق الرفاه للإنسان.

مع السيد عبد المجيد الخوئي استعدادا لاجراء الحوار.. والصورة شخصية كان طلب مني الراحل بعدم نشرها كونها تظهره للمرة الاولى بالملابس الغربية ..

     هذا الحديث يقودنا لسؤال آخر يتعلق بهذه الأفكار, من خلال فهمك العميق لهذه المسألة ماذا عملتم في مؤسستكم أو بمعنى أدق ماذا عملتم كمؤسسة فكرية دينية في مسألة إيضاح أن للثقافة بُعداً دينياً عميقاً, كيف برز هذا الموضوع في نشاطكم وكيف هي إتصالاتكم وصِلاتكم مع المؤسسات العربية الثقافية وحتى الأجنبية....؟؟
     أقول أن مؤسستنا, أثناء عمرها القصير, ما هي سوى مفردة صغيرة وجزء بسيط من نشاطات الحوزة العلمية الدينية في النجف الأشرف والتي كانت عبر تاريخها العريق الذي تجاوز الألف عام, مدرسة واعية متفتحة وذات أبعاد مختلفة ومنها الجانب العلمي والثقافي ليُضاف هذا الى تزعمها الجانب الديني للطائفة الشيعية, وفي كل هذا تكون الحوزة جزء من الكيان الإسلامي وهي تقوم بدورها في ترسيخ مباديء الدين الإسلامي الحنيف ونشر قيمه العظيمة, في الوقت نفسه, فالحوزة لا تتوقف عن حث أبناءها وطلبتها على التزود من العلوم الحديثة والتعرف على ثقافات الشعوب الأخرى في محاولة لإعطاء صورة وسطية معتدلة يمكن أن يعيش الإنسان, من خلالها, سعيداً بما لا يعارض أخذه من فوائد المدنية والتطور العلمي في العالم المعاصر.
    
ثمة من يحاول إثارة معركة بين بعض التيارات الدينية وبين الثقافة, وأعتقد انك مطلع على ما حدث في مصر من عمليات تكفير ومصادرة لكتب معينة يعتقد البعض مخالفتها لشريعة الإسلام, ترى كيف تُتابع شخصياً هذه القضية وهل هي معركة أصيلة أم معركة سياسية تتخذ من الدين غطاءاً لها, وهل ترى أن بعض النتاجات الثقافية تسيء للدين حقاً؟
     يمكن ان يكون جميع ما تفضلت به وارداً بشكل او بآخر, الجانب السياسي له دور بالغ الأهمية, إضافة لجوانب شخصية من بعض المتنفذين في القرار الشرعي والفقهي, فضلاً عن محاولة إشغال الرأي العام بقضايا معينة والتعامل معها بشكل إعلامي مضخّم بغرض تحقيق أرباح مادية أو معنوية لإتجاهات معينة, أما قضية إهانة بعض الأعمال الأدبية للدين فأود ان أذكر شيئاً بسيطاً جداً يتعلق بالجانب المدني من حياة البشرية, فحتى يومنا هذا, وبإعتراف الجميع, فإن عقل الإنسان وفكره مهما اتسع وأخذ أبعاداً أسطورية وخيالية غير متوقعة يظل محدوداً ذلك أنه مخلوق نسبي متناه الحدود ولم يصل الى الكمال المطلق, والبرهان على هذا هو عدم تمكن البشرية على مر التاريخ من أن تنعم بحياة فاضلة وسعيدة, إن ذلك يحدث في الأفكار وحسب, لقد جاءت حضارات عديدة وتعاقبت أفكار متنوعة لكن, في الأخير, لم تنجح حضارة معينة من الوصول لمرحلة – المجتمع الفاضل – الخالي من المشاكل والتمايزات وانواع الظلم, لقد إدّعى الشيوعيون ذلك كما إدّعت المثالية والنظم الرأسمالية, لكن الإدعاء شيء والتطبيق شيء آخر, وهذا دليل على حاجة البشر الى اللطف الغيبي لمساعدتهم في الوصول الى الطريق الصحيح, يمكن ان تسمي هذا اللطف بالإله الخالق, ويمكن للعلم أن يسميه بما وراء الطبيعة, ويمكن للمرء ان يسميه بما يشاء, بإعتقادنا أن هذه الروح الغيبية هي الوحي الإلهي الذي ينزل الى البشر بواسطة الأنبياء على مر التاريخ, لإسعادهم, كان خاتمهم سيد المرسلين محمد بن عبد الله (ص), والإسلام هو خاتمة الأديان, أزعم, في هذا الصدد, ان أي محاولة لإبعاد هذا الجانب, وتحت أي شعار وأي غطاء علمي, محكوم عليها بالفشل, سواء كان ذلك في فترات الجاهلية الأولى حين كانت الحضارة تعني الغزو والنهب والقتل أو كان ذلك في العصور الحديثة التي توجت بالايديولوجيات والنظم الشمولية والمدارس الفكرية في بدايات القرن العشرين او في القرن التاسع عشر, بعد ظهور الفكر الإشتراكي الشيوعي لماركس ولينين, وقيام الثورة البلشفية وتأسيس ما يسمى بالإتحاد السوفيتي الذي أصبح القوة العظمى الثانية في العالم, لكن الأفكار البلشفية والشيوعية إنهارت وفشلت في أقل من قرن أمام الفكر الرأسمالي السلطوي الإستعماري المتمدن والمتحضر, والذي يمكن أن ينهار ويفشل ذات يوم أيضاً, فالرأسمالية وهي تحكم العالم اليوم لا يمكن ان تستغني عن الدين إذ انها فسحت المجال للأديان والمتدينين ليمارسوا طقوسهم الدينية بحرية, وليس إعتباطاً أو صدفة أن تقر أمريكا في آخر سِنيْ حكم كلنتون موضوع حرية الأديان, فأمريكا دولة علمانية ولا علاقة لها بالأديان, مع هذا فهي تقر حرية ممارستها, ان الإنسان, من دونما وحي, لايمكن ان يحقق أي سعادة, التطور المدني وحده غير كاف والله سبحانه وتعالى أمر الإنسان ان يتفكّر ويتدبّر في السموات والأرض للحصول على معارف جديدة تساعده في تطوير عقله وترقيته والذي نعده نعمة من نعم الله, وهذا لا يعني طرح موضوع الدين جانباً, مثلما لا يعني التمسك بالدين أيضاً طرح العلوم والتطور المدني من حياة الإنسان, إنهما جانبان متكاملان بالنسبة للإنسان.
   
  من هذه الرؤية العميقة لتداخل الدين بالنشاطات الأخرى للإنسان, ومزاوجة الروحي بالمادي نُعيد السؤال بصدد المعركة بين سلطة الدين والثقافة, لنُضيف اليه سؤال آخر حول حيازة سلطة التحريم, أي هل للدين مثل هذه السلطة فيحرِّم, مثلاً, إتجاهاً أدبياً معيناً أو تناول فكرة ما في عمل أدبي, أم تراه جزءاً من لعبة سياسية بدليل أن المذهب الشيعي, وفق معلوماتي المتواضعة, لم يحرِّم عملاً أدبياً معيناً, ألا ترى أن المذهب الشيعي ميّال الى الحرية والتسامح أكثر من غيره؟
     لنكن صريحين وغير مبالغين فيما يتعلق بموقف علماء الشيعة, يمكن أن تكون الحالة التي تفضّلت بها أقل في حدتها مما هي عليه عند علماء السنة والجماعة, ويرجع ذلك الى سببين برأيي: الأول هو انفتاح الفقه الشيعي نتيجة التطور الإجتهادي الهائل الذي حققه خلال ألف عام وفتح باب الإجتهاد على مصراعيه لإستخلاص الفتاوى وهذا يعني تأقلم الفقه مع الظروف التاريخية المتغيرة, السبب الآخر هو ميل علماء الشيعة خصوصاً والشيعة عموماً الى الحوار مع الآخر وإعطاء الفرصة للمخالفين, سواء كانوا من مذاهب أخرى او أديان او حتى ملاحدة وماديين, لإبداء رأيهم, رغم هذا الإنفتاح فإن مواقف الشيعة لا تخلو من تحريمات لمؤلفات معينة, ربما كانت آخر حادثة من هذا القبيل القصة الشهيرة لتحريم "السيد آية الله العظمى الخميني رحمه الله" لقصص الماشتي, ويمكن أن يكون للسياسة أثرِ ما فيها وفي غيرها من المواقف, نرى أن هذه المواقف غالباً ما تظهر في فترات معينة من تاريخ الأديان والمجتمعات, ففي أيام حكم الكنيسة ظهرت تحريمات كثيرة لبعض الأفكار والكتب مثل كتب ابن رشد وغيره, كذلك الأمر ذاته يحدث في المجتمعات المدنية الغربية.
     أما السؤال عن سلطة التحريم, من يملكها في المجتمع, فنعتقد أن الدين, ممثلاً بفقهائه ومشرعيه ومفتيه, هو من يملك هذه السلطة في مجتمعاتنا الإسلامية, ولكن قبل هؤلاء جميعاً, ثمة نظام أخلاقي هو الذي يُرجع اليه في تحريم افكار معينة, وهذا النظام الأخلاقي يكثفه مؤسساتياً هذا الدين الذي أنزله الله سبحانه وتعالى لإسعاد الإنسان, فهو – أي الدين – من يملك سلطة التحريم نيابة عن الأعراف العامة والنظام الأخلاقي, انك كمؤلف أفكار ومثقف مسموح لك في عرض أي فكرة ترد في ذهنك, وهو حق مكفول لك دينياً وقانونياً, ولكن يجب ألا تمارس هذا الحق على حساب حقوق المجتمع فتحط من شأن الآخرين وتتعدى على مشاعرهم الدينية او تنتقص من قيم ومباديء تنظم ذاكرة مجتمع كامل بحجة ممارسة الحرية الكتابية, أعتقد ان هذه العملية مرفوضة لا دينياً فقط إنما أخلاقياً كذلك, ما يحدث ان رجل الدين هو المسؤول عن التصدي لمثل هذه الظاهرة فيحدث ان توجه له عندما يقوم بمهمته, نيابة عن المجتمع والنظام العرفي والأخلاقي فيه, تهمة مصادرة الحرية, أقول لك شيئاً, أتظن ان المجتمعات الأوربية المتطورة والعلمانية خالية من هذه الظاهرة؟! كلا فلهذه الدول أيضاً قائمة ممنوعات فكرية لا تتداولها الأيدي, وبإسم القانون والمحكمة تُمنع كتب وتُصادر, الأمر سواء, لكن الدين أكثر صراحة وهم (العلمانيون) أكثر مراوغة.
   
  ألا ترى ان تفاقم الظاهرة (التحريم والتكفير) بهذه الصورة سيؤدي, من ثم, الى وصم الإسلام بصفة معاداته للحرية؟ وهل انت من أنصار وضع (تحديد) للحرية بحيث لاتؤدي الى إعتداء على المعتقد الديني؟
     سأركز على عبارة "تحديد" الحرية او تحديد مداها, في الحقيقة, فإنك لا يمكن ان تجد مجموعة من مجاميع بشرية, تعيش على كوكب ما وتتألف من أديان وشعائر وثقافات متنوعة دون أن يكون لها نظام ما وإلّا صار الأمر فوضى عارمة, وأي نظام, تحت أي غطاء او أي اسم لا يعني, في جوهره, سوى تحديد الحرية, أما الخلط الذي يحصل فهو سوء فهم المعنى الحقيقي للحرية, وتعدد هذا المعنى عند الأطراف المختلفة, واذا كان المقصود من السؤال هو وضع نظام يحدّ من الحرية المطلقة, فأنا اعتقد ان هذا هو المطلوب بالضبط, ألّا يسمح بترويج معنى الحرية بوصفها مطلقة, لا وجود لحرية مطلقة في أي مكان من العالم, لا يتعلق الأمر بالدين فقط, الرأسمالية أيضاً لا يوجد فيها ما يسمى بالحرية المطلقة اللامحدودة (واللامحدودة)؟؟؟, النظام هو, في كل مكان وفي أي فكرة, عبارة عن حرية نسبية يمارس فيها الأفراد حرياتهم الفردية بحيث لا يتعارض ذلك مع أعراف وأخلاقيات المجتمع, أما حين يتعدى ذلك الى الإساءة للأفكار الدينية التي يؤمن بها أبناء المجتمع والإنتقاص منها فيجب على المجتمع أن يحمي نفسه من هذه الجرثومة المسماة (الحرية المطلقة), ثمة عوامل عديدة تُغذي هذه الظاهرة ربما كان على رأسها الروح الفردية والنرجسية التي يتسم بها البعض ممن يهمه كثيراً أن يبدو وكأنه فرد خارق لأعراف مجتمعه فيستغل دعاوى ممارسة الحرية الإبداعية فيساهم دون وعي في تفتيت مجتمعه, وهي كما قال الإمام علي بن أبي طالب (ع) "كلمة حق يراد بها باطل".
    
إنطلاقاً من بديهية أن الدين يحض فكرياً على قيم الحق والعدل والخير, أيمكن القول ان الدين يمكن أن يكون رافداً من روافد الأدب...؟ الى أي مدى إستفادت الأعمال الأدبية المعاصرة من قيم الدين لتُثبت الحقائق وهي حقائق يفترض أن تلك الأعمال تتعاطاها وتعرضها الى الجمهور بشكل جمالي معيّن...؟؟
     ثمة الكثير من الأعمال الأدبية التي كتبها كتّاب إسلاميون أو كتّاب عاشوا أجواء إسلامية وحتى من بعض كتّاب الغرب حيث تماهوا مع الدين من حيث يشعرون ولا يشعرون. هنا يمكن الإنتباه لملاحظة هامة, فللأسف الشديد, لعب الجانب السياسي دوراً كبيراً في هذا, هنا يمكن ترسيخ فكرة ان الإسلامي يقرأ كتب غيره كما يقرأ كتبه ولذا فهو يطلع على مخالفيه بينما, وللأسف الشديد, لا يفعل العلماني الشيء ذاته, رغم أن المعروف هو العكس, فالعلماني لا يقلب أي كتاب ما دام مؤلفه متديناً أو عنوانه يشي بإنتمائه لحقل الدين, إنه يعتقد, خطأ, ان كل ما له علاقة بالدين هو مجرد أفكار متخلفة ورجعية عفى عليها الزمن, أقول لو إطّلع الآخرون على كتب رجال الدين والكتّاب والمفكرين الإسلاميين, لوجدوا ببساطة ويسر مدى إنسجام الدين والثقافة والإنفتاح والإفادة من المدنية والثقافات الأخرى.
    
وأنتم تمارسون دوركم الريادي في مؤسستكم الناشطة, هل تعملون على إدامة وتقوية الحوار بين المذاهب الإسلامية...؟؟ كيف ترون هذا الموضوع الهام وهل أنجزتم مراحل معينة في تثبيت خطوات متفقاً عليها في الحوار بين المذاهب والأديان؟
     أرى أن نجاح مثل هذه المساعي منوط باهتمام الدول والأنظمة الحاكمة في البلاد الإسلامية, وذلك إدراكاً لعظم وخطورة مثل هذا الحوار, رغم أننا نعرف جيداّ أن ما يتعلق بأمور الدين لا يمكن أن يكون فاعلاً ومؤثراً دون إستقلال المؤسسات الدينية عن الوصاية الحكومية, هذا الأمر يمكن أن يتحقق مستقبلاً فيما لو أخذت المؤسسات الدينية في البلاد الإسلامية بالإنفتاح وتقبُّلْ موضوعات المجتمعات المدنية بصيغ علمية وموضوعية كما يحدث في بقاع الأرض المتمدنة, بحيث يتسنى لهذه المؤسسات ان تمارس دورها الأساسي في خلق أو نشر الثقافة والعلم, الآن يبدو الأمر مرتهناً بالحكومات والساسة, نحن بدورنا نعتبر الأمر هذا من أولويات أي مسلم, فكيف بمؤسسة دينية مثل مؤسستنا, إن أي عاقل لا يمكن أن يستسيغ محاولات تفريق هذه الأمة الإسلامية العظيمة الى فرق متناحرة وطوائف متباينة, ذلك ان هذا الأمر لو تم فسيكون سبباً في إضعاف الإسلام وهذا ما لايريده الله ورسوله والأئمة الأطهار, فضلاً عن باقي المسلمين في كل مكان, نعمل حسب إمكانياتنا المتواضعة على القيام بجزء من هذه المهمة المقدسة, وهو ليس جديداً على علماء الإسلام, فمنذ الصدر الأول للإسلام كان هذا الأمر من اولويات العالِم الديني, مراجع الحوزة العظماء في كل تاريخها لم يتوقفوا عن هذا الدور, ونحن نحاول ممارسة الدور نفسه, إتصالاتنا مستمرة مع جميع المذاهب وفي مشارق الأرض ومغاربها, من الأزهر الى تونس والى عُمان ودول الخليج, الى سوريا والسعودية, بالإشتراك مع رابطة العالم الإسلامي والمنظمات الثقافية الإسلامية الأخرى كالأسيسكو ودار الحديث الحسنية في المغرب ودار الإفتاء في سلطنة عُمان والمدارس الزيودية في اليمن والمؤسسات العلمية والدينية الأردنية من مؤسسة آل البيت الى جامعة آل البيت وقد عقدنا أكثر من إجتماع وأكثر من ندوة ومؤتمر تحت عناوين مختلفة سواء كانت الندوات تناقش مسائل فقهية, او مسائل الأوقاف في الإسلام او حقوق الإنسان في الإسلام, أو الإجتهاد, لقد عقدنا مؤتمرنا الأخير في دمشق تحت شعار وضع إستراتيجية للتقريب بين المذاهب وطُبعت أعمال المؤتمر ووزعت في البلاد الإسلامية, خلاصة هذه النشاطات هو ان تنتبه الحكومات الإسلامية لخطورة الحوار بين المذاهب والتقريب بين أبنائها, ذلك ان أبناء هذه المذاهب هم أبناء الإسلام قبل كل شيء, للأسف, الحكومات غير معنية بهذه المسألة, لذا فإن التناحر موجود وثمة حوادث تحصل بين فترة واخرى كما هو حاصل في أفغانستان والباكستان, على أجهزة الإعلام ان تخصص جزء من وقتها للحديث عن ضرورة نبذ الخلافات المذهبية, وهو نداء نوجهه للحكومات العربية والإسلامية لأن الإعلام مرتبط بهذه الحكومات دائماً, نحن أبناء دين واحد وأمتنا أمة واحدة, القرآن هو دستورنا جميعاً وقبلتنا واحدة وفرائضنا واحدة ونحج الى كعبة مشرفة واحدة, إذن ما الداعي للإختلاف, إن الإختلافات المذهبية لا تنحصر إلا ببعض الفروع والمعاملات, فقط..... على أئمة الجمعة التنبيه لهذه الحقائق التي يبدو وكأنها غائبة عن الأذهان.
    
إنكم سليل المرجع الشيعي الراحل أبو القاسم الخوئي رحمه الله... ثمة أقاويل هنا وهناك حول موقف السيد الخوئي من الإنتفاضة الشعبانية عام 1991, أود لو سمعت منك الحقيقة؟
     أرى ان حدثاً كالإنتفاضة كان أمراً بديهياً بالنسبة لشعب عانى ما عاناه الشعب العراقي الذي فقد أبناءه ورجاله وأهم رموزه وشخصياته, حتى فقد الأمل بالخلاص, لكن الفرصة حين حانت للإنتفاض إنتفض الشعب على الطغيان ليعبر عن رفضه لكل ما حدث وليعبر عن ألمه وإحساسه بالمهانة والذل, لقد قام الشعب العراقي بتلك الإنتفاضة وهو لا يحفل بما ستؤول اليه النتائج لو فشلت, وهذا ما حدث بالفعل, فقام النظام بالإنتقام من الشعب انتقاماً رهيباً, لايمكن لأي كان ان يلوم الشعب العراقي او أن ينظِّر للإنتفاضة ويعلل فشلها, لقد حدث كل شيء بسرعة وهكذا هو رد الفعل, دائماً يأتي سريعاً وحاداً وقوياً, أما دور السيد الخوئي رحمه الله فأتصوره طبيعياً جداً بالنسبة لشخص مثله لا يستغني عنه الناس في أمورهم الشخصية فيسألونه الفتوى والمشورة فكيف بحدث مثل الإنتفاضة, لقد بدأت الجماهير تترى على البيت في النجف, من رجال دين وشيوخ عشائر من كافة مدن العراق الثائرة, ما عدا شمال الوطن, وكان هؤلاء هم ممثلوا الجماهير الثائرة, طلب الجميع من السيد الخوئي موقفاً ورأياُ, وكان الموقف, كما يعرف الجميع, في أول بيان يصدره الوالد رحمه الله هو دعوة الناس الى العمل لإستتباب الأمن وعدم الإعتداء وعدم الإقدام على محاولات اقتصاص من الناس لمسائل شخصية والمحافظة على الأموال والأملاك العامة التي هي أملاك وأموال تعود للشعب, من مبان ومقرات وبنوك ومؤسسات خدمية ومخازن طعام, وتشكلت بأمر الوالد لجان لإعادة تشغيل محطات الماء والكهرباء في المحافظات وإدارة المستشفيات والمحافظة على مخازن الأدوية وما شابه, يعني أن الوالد رحمه الله إهتم بكل المشاكل الإجتماعية والمدنية الناتجة حينذاك بما يمليه الواجب الإنساني على أي انسان متواجد في المكان, وهو واجب إنساني قبل أن يكون واجباً دينياً.
     ثمة رأيان في هذا الصدد, فهناك من يرى انه كان بإمكان المرجعية آنذاك أن تصدر فتوى يمكن أن تطوِّر الإنتفاضة حتى الإطاحة بالنظام, وهنالك من يرى ان موقف السيد الخوئي رحمه الله كان متوازناً وموضوعياً لجهة إحقاق حقوق كثيرة والحفاظ على أهم شيء يملكه الإنسان وهو حياته, الى أي مدى كان الموضوع يميل الى الجانب الثاني أكثر منه الى الأول؟
     لم يكن الأمر يتعلق بالرأي الثاني فقط, إن الفتوى ظهرت في النجف في اليوم الثاني من الإنتفاضة, وذلك حين حدثت بعض الخلافات الشخصية وبعض الإعتداءات, وهذا أيضاً كان أمراً طبيعياً, ففي أي مكان تختفي منه السلطة, سواء كانت جائرة أو عادلة, فسيكون المكان عبارة عن فوضى, حيث يمكن لأي شخص أن يعمل على هواه, ينتقم من أعداء شخصيين أو يسرق وينهب, إضافة الى أن العراقيين كافة ذاقوا طوال عشرين عاماً ألواناً من العذاب والقهر على أيدي جلاوزة النظام, ما الذي تتوقع أن يحدث وقد فقد هؤلاء الجلاوزة كل سلطتهم وصار بإمكان الناس الإنتقام منهم, من الصعب السيطرة على مثل هذا الوضع, لاسيما ان البلد مدمّر كلياً لايمكن ان تطلب من الجماهير ان تنتظر حتى تقام محاكم تقتص من هؤلاء, هذه الأشياء تحدث في الإنقلابات والثورات الشعبية وهي لا تخص العراق فقط عام 1991.
    
من حيث انتهيت كيف ترى مستقبل اللحظة العراقية الراهنة كيف ستكون عليه.. بأبعادها السياسية أو الفكرية سمها ما شئت....؟
     اسأل الله تعالى أن يخيب ظنّي ولكنني لا ألمح فرصة الخلاص قريبة, بل أرى, وأرجو ألّا أكون متشائماً, ان القضية العراقية تسير من سيء الى أسوأ, على الأقل خلال السنتين القادمتين.

 
* نشر الحوار ربيع 2001 في مجلة "المسلة" الفصلية الثقافية المعارضة لنظام صدام حسين وكنت اتولى تحريرها


اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM