مثنى حسين أو الهندسة في زمن الخراب

تاريخ النشر       06/04/2016 06:00 AM


1

كنت أحرص على ان يكون بيتك يا اخي وصديقي، آخر ما أودعه قبل ان أمضي في درب "الصد ما رد"، درب الحرب وجبهاتها الفسيحة بإتساع وطن. كنت أستزيد منه شرفة على حياة كنت أحبها، لكنني قد أكون على وشك مغادرتها في كل لحظة. كنت أحب الرفعة في بيتك حيث أرجاء المعرفة والإبتسامة، كنت أهنأ بزوادة أخيرة من شهقات الخالة الكريمة والدتك، وأحاديث هي بمقام تمائم الحكمة وشفرات المقاومة في ما يسرني به العم الفاضل والدك، حين كانت وصاياه لي وأنا أطرق النظر الى حقيبتي، وفيرة حد أنها ترافقني في عبور آمن وسلس حتى وإن كان طريقي يمر عبر حقول الألغام. أنسيت عناق الوسيم الدافىء الصوت عامر، أخي وشقيقك، أنسيت سؤالي عن زميلتي في الدراسة الجامعية، أختك الكريمة الدكتورة ثامرة، أنسيت كلمات الرضا والوفاء من شقيقتك الصغرى، أنسيت كل هذه الأشواق وهي تودعني على أجنحة من السلامة الى لهيب الوطن وعذاباته؟ أنسيت ذراعك الحانية وهي تحمل حقائبي الى سيارة الأجرة، وأثرها على كتفي كوعد بأن أعود ونظل نبتسم كي نعاند الموت "الوطني"؟

2

أيها المهندس الجميل، الذي قدر لبيته ان يكون تمائم فرحي وأملي في وقت عزّ فيه الفرح، وشحّ فيه الأمل، كيف قدّر لي ان لا أحييك مودعا حين قررت مغادرة البلاد والإنفصال عن حروبها وحصاراتها "الوطنية"؟ كيق تسنى لي أن أكون قاسيا وجاحدا الى درجة ان أدير ظهري الى مكامن المودّة ومشغل الأشواق النظيفة، دون ان أقول شكرا لحديقته، لنرجسه وأغنية المحبين المتصاعدة من أرجائه!

ترى هل عوضت ذلك بأنني كنت أمينا لفكرة مقاومة الطغيان، تلك التي أغوتنا وكونتنا وشكّلت ملامحنا ومعرفتنا؟ وهل يكفي أنني كنت شبه متيقن من شعور بالرضا والثقة، كان يستقر في ضميرك كلما استمعت الى إسمي وهو يتردد مع مقال أو تقرير صحافي لي، تتناقله إذاعات وصحف ودوريات كانت تخترق "جنة الشيطان" وكأنك كنت تربت على كتفي مرة أخرى بالمودة ذاتها وبثقة مضاعفة؟

3

ولأنني لم أكن وفيا بما يكفي، هرعت اليك في اليوم التالي لوصولي الى بغدادنا الأثيرة، وتحديدا في صباح 17 نيسان 2003، وكأنني كنت على موعد جديد مع حديقة الغاردينيا والنرجس ذاته، وتمائم الأشواق والمحبة التي لطالما حرستني، وبإنتظار ان تسمعني ما يعني في روحك من مسرة بسقوط دولة الطغيان والعذاب الطويل.

4

كيف يا مثنى الجميل، كيف ليديك اللتين لطالما كانتا ترنيمة الاشواق وهما تحطان على روحي قبل كتفي، ان ترفعا يافطة سوداء* تحمل نعيك، ومتى؟ في لحظة أوقفت عمرك من أجلها؟

كان عليّ أن أتتبع خيوط دمك، فهي جديرة، لفرط صدقها، بأن تدلني على الحقيقة، فـ"حرية" تستهدف في يومها الأول روحا خلاقة وأمينة وطاهرة مثل روحك، لهي قطعا أعلانا للإثم التام وتمثيلا حقيقيا لأفق من جريمة متواصلة. إنها نقيضك الجوهري، هي الخراب المطلق فيما كنت قد أوقفت حياتك على هندسة الأمل.


*قتل المهندس مثنى حسين في ضربة جوية أميركية أثناء نقله عائلته من القادسية ببغداد الى مزرعته في اليوسفية في الأيام الأخيرة لحرب "حرية العراق" نيسان 2003.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM