البرمائي الجميل .. قراءة في كتاب "شعرية العمارة"

تاريخ النشر       04/05/2016 06:00 AM


في ختام كتابه "شعرية العمارة"* ينقل المؤلف الدكتور المهندس أسعد غالب الأسدي عن وليم كودل قوله: يتوجب علينا نحن المعماريين ان نكون حلقة وصل بين العلم والفن من دون ان نكون منغمرين في أي منهما إذ اننا برمائيون.. لو توغلنا في الماء كثيرا أصبحنا سمكا، وان بقينا على اليابسة طويلا ننسى السباحة"(ص131).
ومن يقرأ هذا الكتاب سيجد ان تلك الخاتمة جاءت تتويجا ناميا لممارسة تطبيقية لوعي تلك الصلة العميقة بين العلم والفن، كان من ثمارها ان نسج المؤلف كتابه بخيوط من العلم وخيوط من الفن تبادلت موقع السداة واللحمة،  فجاء النسيج بهيا ومهابا. ففي منطق العلم وتجلياته بهاء القوة وجمال النظام ورياضياته. وفي لغة الفن وتكويناته بهاء الادهاش والتقاط علاقات خفية بين مفردات مشاعر لبناء جديد مبتكر. وما كان ذلك البهاء محسوساً لو لم يخدم القضية المهابة الاساس.. قضية ان العمارة للناس. اجل، فان عمارة مهما تعملقت أو ابتكرت لن تكون مهابة ولا بهية ما لم تكن حضنا للناس.. مأوى أو عملا. خدمة لهم أو لثقافتهم أو رمزا لمأثوراتهم، أو زينة لمدائنهم.


الراحل قاسم عبد الأمير عجام قبيل اغتياله بأيام

ولقد انطلق هذا الكتاب من هذه القضية، وعالج مفردات من سبل الوفاء لها حتى ليحس القارىء بان المؤلف كان يؤنسن المفردات المعمارية وهياكلها. ويعالج شروط توظيفها أو استثمار امكانياتها وكأنها كائنات حساسة حتى انه ليعتمد للاشارة الى تلك الهياكل الافعال المضارعة التي تدل على حركتها ودوام فعلها.

فالجدار مثلا (بتفاصيله ومعالجاته يوثق الجدلية الاتصالية بين حالتي الفضاء (داخل، خارج) ويأخذ كينونة من خلال توثيق تلك الجدلية..)ص40. والنافذة (فوهة احلام الفضاء كما الخيال فوهة احلام الانسان، والغرفة التي تستلقي على جدرانها تحلم عبر النافذة.. تسافر في الخيال..)ص73. والباب (يسافر في رحلة بين الخارج والداخل) . ويموت إذ يغلق (فيموت العالم امامه ويعيش الداخل وحيدا) ويولد إذ يفتح (فيولد العالم ـ الخارج والداخل)ص62.
على ان منهج انسفة المفردات المعمارية هذا لاينم عن خيال المؤلف وشاعريته فحسب وانما ـ وهذا هو المهم ـ يؤكد من خلال تلك الأنسنة أو بيان الحركية، وظيفة تلك المفردات في العمارة، منسجما مع حقيقة ان العمارة ـ علما وفنا ـ هي وظيفة بالاساس. وبدون وفائها لوظيفتها، تبعا لاختصاص المبنى، لن تكون عمارة. ولأن المؤلف فنان لايخطىء القارىء فنه أو نزوعه الفني.. يتشدد في استيفاء وظيفة العمارة الى متطلبات فنية دقيقة حتى انه لايرى في بيت (يحتوي كل ما يتعلق بالطاقات التنفيذية في العمارة.. فيه الجدار والسقف والباب والنافذة والخدمات) لايرى فيه عمارة! بل وينص على انه (يفتقد العمارة) لانه يفتقر الى النظام الذي يخضع العناصر الانشائية والخدمات والاثاث والاشياء الموجودة في اعداد المبنى لاقامة بنية من التشكيل والعلاقات مع بعضها ومع الفضاء. ولأن ذلك البيت الذي دخله المؤلف افتقد ذلك النظام ـ العلاقات، فقد افتقد (العمارة كفعل خلاق) ص89ـ90.
ومن شأن تأكيد وظيفة العمارة في الكتابة عنها ان يهذب النظر الى المبنى.. ويرشد استثمار المواد والعناصر المعمارية في عملية البناء نفسها. فان وعي الوظيفة الخاصة للمبنى مهاد صالح ومقدمة صحيحة للحكم على جمالياته أو انجازيته بالذات. واستنادا الى هذا الوعي قد يسقط كثير من (الهيلمانات) المعمارية في التقصير أو التبذير وهو ترهل من الناحية الفنية.
وقد حفل كتابنا هذا بآيات من وعي الوظيفة المعمارية نظرا وتطبيقا حتى ليزود القارىء بحساسية يقظة للتعامل مع عناصر بيته والابنية التي يتعامل معها. ولعل ما كتبه المؤلف عن الباب (ص60ـ67) أو النافذة (ص68ـ76) أو اللون (ص108ـ112) يمثل فعلا حيا يترجم ذلك الوعي ويضع القارىء في اجواء معمارية تستحضر العلاقات الواجبة بين عناصر العمارة وشروط انطاقها بلغة الفن كي يجد الانسان فيها مأوى وراحة بل ومتعة.
ولتحقيق ذلك اتخذ المؤلف الاسلوب السردي في عرض موضوعاته. فكان نصه يحكي اكثر مما كان يعرض قاعدة آاو يثبت حتميات حرفية. بل وانه لايكتفي بمجرد الحكي وانما يسرده بلغة شعرية تحلق بجناحي الخيال/التأمل والعلم/ الحرفة. وهو بذلك منسجم مع ما رأيناه من منهج أنسنة المفردات والعناصر المعمارية وتطبيق لما يراه في العمارة من عنصر حكائي. وبذلك تأتي طريقته في العرض السردي لقضايا العمارة انسجاما بين الشكل والمضمون.
اجل. فالمؤلف يرى في الشكل المعماري حكاية ممتدة من مدخله حتى بابه الخلفي عبر جميع عناصره. بل ويرى ان (النزوع الحكائي يتضح في العمارة اكثر مما في الابداعات التشكيلية الأخرى)ص45. ولايكتفي بدراسة هذا النزوع في فصل خاص ص(45،ـ52).. وانما يبدو كتابه كله تطبيقا لهذه الرؤية كما اشرنا الى امثلة منه. فلو لم يتشبع بالنزوع الحكائي للعمارة لما كان منهجه في أنسنة المفردات المعمارية، ولما كان العرض السردي لعلاقاتها. غير اننا نرى ان القناعة الاكبر بوظيفية العمارة والاخلاص لمهماتها الانسانية هي المدخل لاكتشاف العنصر الحكائي فيها.
وإذ يشترك هذا الكتاب مع كثير من الباحثين في العمارة في تأكيد وظيفيتها إلا انه يتميز بوعيها بحس جمالي وذائقة فنية ترى في الفن هو الآخر وظيفته الانسانية فاشترط على العمارة (ان تكون نتاجا ابداعياً يستوعب الفعاليات الانسانية ) . وان يكون ذلك الابداع (بمستوى يروي التعطش للجمال والمعنى) ص126ـ127. مثلما يرى في النحت (عملا فنيا جميلا خلاقا يعبر عن حالة وعي متقدم لقضية) ص126. ويميز بين البعد التكويني للفن التشكيلي في العمارة وبين البعد التزييني منحازا لتغلغل الفن التشكيلي بشكل عضوي ضمن الابداع المعماري وهو يؤدي وظيفته.
كثير يمكن قوله في هذا الكتاب الذي يقدم ضمن هدفه المعلن (شعرية العمارة) دليلا حيا على وفرة الثمار التي ينضجها تفاعل العلم والفن في عطاء المتخصص العلمي. ففي لغة المؤلف تسري ادبية عالية (وليتها لم تخدش بالكبوات النحوية والاملائية) واحساس فني يقظ مكن المهندس العالم من ان يقرأ ما وراء مفرداته. وان يستشرف طاقات المواد بعد تشكيلها بلغة العمارة. ومن حضور الادب والفن والاحساس العميق بهما جاءت هذه الرقة الحانية التي تريد للعمارة ان تكون حضنا دافئا للانسان.. وان يجد في زواياها وابهائها امانا وسلاما تحلق بهما روحه وتتفتح رغبته في الاقبال على الحياة. وبذلك كان المؤلف (برمائيا) جميلا يدعونا عمله هذا الى قراءة اخرى أوسع مما يستوعبه مقال في جريدة.
فتهنئة له وللموسوعة الصغيرة ايضا.


*مقالة نشرت في صحيفة "الثورة" آواخر العام 2002، كقراءة لكتاب "شعرية العمارة" ـ2002/د. أسعد غالب الاسدي. الموسوعة الصغيرة/دار الشؤون الثقافية ـ وزارة الثقافة/بغداد ط1 ع466 ص133



 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM