في بيتنا.... مايسترو

تاريخ النشر       10/03/2017 06:00 AM


علي عبد الأمير

1
يخرج من سجال يتعلق بالموسيقى ودلالاتها ثقافيا واجتماعيا، ليدخل في آخر عن تأثيرات الموسيقى على الإنسان عقليا ووجدانيا، دون ان ينسى التوقف لبرهة ولكن عند مفهوم نقدي يتعلق بالثقافة السائدة في البلاد التي شهدت ولادة أعرق فرقة سيمفونية عربيا.
هكذا يحضر في بغداد، كريم وصفي، عازف التشيللو وقائد الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية لسنوات، فكرة للسلام. يكفيه فخرا انه كان نغما متصلا مع أجمل ما في الحياة من دلالات وفي أجواء من الخوف وما تخلفه الاعتداءات الارهابية الوحشية. ظل نغما عميقا من أجل العيش الآمن في بلد صار نهبا لقيم الخوف والدمار والعنف ومعاداة حريات التعبير والفنون بخاصة وتحديدا الموسيقى.
حضر رفقة آلته الشجية الأنغام في مواقع التفجيرات الإرهابية ببغداد للسنوات 2012-2015، كأنه يناجي الرماد علّه يصير فينيقا يحلق بانسان العراق وأحلامه نحو آفاق يستحقها من الأمن والسلام والعيش الحر الكريم. 
عاند إيقاعات الموت والخوف والرعب في بغداد خلال سنوات الحرب الطائفية، وقاد الفرقة السيمفونية العراقية 2006-2010 لتكون نغمة راقية للحياة حيال كل تلك الإيقاعات المرعبة. نعم تصوّر هذه الرمزية الخيالية الهائلة: أنغام تشايكوفسكي وموتسارت ومؤلفين عراقيين في مكان ببغداد التي كانت تطحن فيها الأجساد والأرواح برصاص الطائفيين وحرائقهم.

وفي مغامرة جريئة حقا، يذهب بتجربة كريم وصفي إلى فصل آخر في موضوعة انفتاح الموسيقى على جمهرة المتلقين، ليعزف في مستشفى الأمراض النفسية ببغداد، ضاربا بذلك وعيا اجتماعيا عراقيا متخلفا ووحشيا اسمه النظر إلى المريض نفسيا وعقليا نظرة ازدراء واحتقار.
ومن هذه البوابة يعلن في لقاء صحافي مع موقع "إرفع صوتك"، انه ينهمك بمشروع العلاج النفسي لضحايا الإرهاب من متضررين ونازحين وغيرهم عبر الموسيقى. "بأدوات بسيطة ومحدودة، أحاول محاربة الإرهاب الفكري من جذوره قبل أن يتسع أكثر لتجاوز هذه المحنة". والمشروع عبارة عن معزوفات خاصة للعلاج النفسي يعتكف الموسيقار على العمل عليها الآن وفق دراسات علمية: "أشارك بعزفي وجع من تألم بسبب الإرهاب وأحَيي أرواح الضحايا وبنفس الوقت ألامس من لا يزال منا على قيد الحياة".

3
إتصالا بهذا المعنى أقام المايسترو كريم وصفي أمسية في "الديوان العراقي" بمدينة ماكلين قرب العاصمة الأميركية الشهر الماضي، بدأها دون أي مقدمات بمقطوعة على التشيللو المنفرد دامت نحو 40 دقيقة لتتحول لاحقا نقاشا مفتوحا مع الجمهور حول التأثير النفسي والعقلي الذي أحدثته الأنغام، وهو ما وصل إلى اقصى حدود التأثير الإيجابي أحيانا والسلبي أحيانا أخرى. الفكرة بدت غريبة لجهة تحويل التأثير الروحي للأنغام إلى نقاش حول الموسيقى والعقل، وحول الفن وعلم النفس وحتى الفيسيولوجي إن شئت. في آخر الأمسية حضرت الأفكار ولم تعد الأنغام حاضرة، ناهيك عن سؤال مشروع وجهه الحضور، بصوت عال مرة، وخفيض مرة أخرى: ما هذا النوع من الموسيقى الذي استمعنا إليه؟

كريم وصفي في بيتنا بصحبة الصديقين محمد شنان ورحمن الجبوري (فادي آكوب مصورا)

4
ولأنني أعرف المايسترو والمؤلف والعازف كريم وصفي منذ نحو عشرين عاما، واثناء عمل الأخير عازفا لآلة التشيللو في أوركسترا المعهد الوطني الأردني للموسيقى، ولأنني كتبت عنه مقالات عدة في الصحافة المقروءة وعرضت تقارير مصورة في قنوات تلفزيونية عدة عن نشاطاته كقائد للفرقة السيمفونية الوطنية العراقية وعن نشاطاته كموسيقى يسعى لتوطيد مفاهيم السلام، كان طبيعيا ان أعرض تساؤلاتي عن الذي قدمه الفنان أخيرا ضمن احتفاء اتسع له بيتنا المتواضع في فيرفاكس- فيرجينيا، فكان هناك نقاش عن معنى أن ينشغل موسيقي بالتنظير للموسيقى وعلاقتها بالعلوم الطبيعية والمجردة، وعن الموسيقى بوصفها هوية ثقافية بمقابل أطروحة "الموسيقى بوصفها لغة عالمية"، وهل ينفع الموسيقي ان ينشغل بتفاصيل الشأن الإجتماعي اليومي؟

وصفي في بيتي صحبة الاصدقاء وقد انضم الفنان فادي آكوب (زوجتي مصورة)
5
ليس بالضرورة ان المايسترو وصفي اقتنع بمبرراتي في باب ان لا جدوى للموسيقي حين ينظر في الموسيقى وعلاقتها بالمعارف الأخرى، وليس بالضرورة انه اقتنع بآرائي في ان الموسيقى ليست مجردة انما هي جزء من الثقافة الوطنية لأي بلد وقومية، لكن الثابت ان ما تضمنته أفكار الموسيقي وانغامه كانت وستظل مولّدة للأفكار والقيم الجمالية الرفيعة.







 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM