مقالات  



"بلا رحمة: كتاب بمرتبة الضمير

تاريخ النشر       14/06/2017 06:00 AM


علي عبد الأمير عجام*
لا يبدو أمرا متاحا، الحصول على وثيقة إنسانية تسجل مصائر عراقيين ممن وجدوا أنفسهم، وعلى حين غرة، بلا وطن، ممن انتزعوا، فجأة وبلا مقدمات، من دفء البيوت وفسحة الحياة والآمال الى مجهول فسيح تغيب فيه الملامح، وترتعش الأرواح خوفا ورعبا وغربة.
لا شيء تقريبا، غير الرواية "الرسمية" المخادعة المسمومة، وهي تضفي عبارات "الوطنية" على قرار سيكون عنوانا لمرحلة من الكراهية والقسوة والرعب اجتماعيا وأخلاقيا، وتهيئة لحرب تلو الأخرى، تطعن فيها البلاد طعنة تلو الأخرى بما يجعلها أقرب الى حتفها، فيما هي ضاجة بالحياة وطاقاتها الخلاقة.
من الجهة الأخرى، لا شيء تقريبا، غير الرواية "المباشرة" والخطابية من قوى ومؤسسات قومية وطائفية وسياسية معارضة لنظام الرئيس صدام حسين، سعت الى رفع الصوت عن جريمة ترتكب في العلن، لكن ضمير العالم كان حينها يغط في نوم عميق، مثلما قادته "الكبار" كانوا مأسورين بـ"قصة نجاح" لسلطة في بغداد كانت تشتري الضمائر بالمال والنفوذ مقابل السكون عن جرائمها، مثلما كانوا يعدون لنار الحرب العراقية الإيرانية. 
وكي تضرم نار تحتاج شررا، جاء قرار بتهجير عشرات الآلاف من العراقيين بذريعة "أصولهم الإيرانية" في نيسان (أبريل) وأيار (مايو) 1980، بمثابة الشرر لحرب ليس غريبا انها ما تزال مستعرة حتى اليوم، بل ان المصائر الفجائعية التي لقيها ضحايا التهجير القسري، ستتكرر وعلى نحو أكثر مأساوية وسعة منذ ذلك التاريخ الرهيب حتى اليوم.
من هنا تأتي الحاجة الى نص إنساني يوثق تلك الحظة المصيرية والفارقة عبر كتابة بالشهقة، والدمعة والسخرية ، بالإنكسار والصرخة، بأغنية وبسملة وغضب، ومن هنا جاءت مذكرات الزميلة والصديقة السيدة هناء جعفر سلمان، لتفتح ممرا الى مرحلة ظلت علامة صريحة على "القسوة والصمت" كما يقول الكاتب كنعان مكية، قسوة الإبعاد من البيوت والثياب والشوارع والوجوه والأدعية والأغنيات، وتحت تهديد البنادق والاعتقال والتعذيب، الى مجهول رهيب وسط صمت داخل البلاد وخارجها، هو أقرب الى القبول بالجريمة ثم القبول بدور "شهود الزور" والوصول لاحقا الى مرحلة مديح المجرم وطمر نبع أسمه الضمير الإنساني.
وفي مذكرات السيدة جعفر، محاولة رائدة وقد تبدو مستحيلة، هي في العودة الى ذلك النبع والثناء عليه، بل والحنو البالغ على ما فيه من ماء، كان أساسيا في تكوينها الفكري والأخلاقي وحتى الفسيولوجي، حد انك كقارئ، قد تستغرب، إن مكانا وتكوينا بشريا كان قاسيا على شابة على وشك ان تنهي دراستها في الطب والجراحة البيطرية، يقذف بها وبعائلتها الى مجهول فسيح، لكنها لا تقابله إلا بالوفاء واللهفة والأشواق. انك لا تجد نبرة جارحة تجاه الوطن ولا حتى عتابا قاسيا، بل نشيد محبة متواصلا ومنسوجا بحنايا الذكريات والآمال، دون ان يكون ذلك أسير "رومانسية"، بل موقفا فكريا وأخلاقيا واعيا ومقصودا، فالحنايا مشبعة باليقين، يقين الوطن لا السلطة، ومن هنا يأتي التمييز الواعي بين البلاد والطاغية، وهي في سردها الغني لفصول تشردها مع الآلاف، كانت تحقق معادلة فريدة، فهي كلما استحضرت الوطن بوفاء وطيب، كانت تصيب الطغيان وسلطته وآلته الحزبية والفكرية بما يستحق.


هذا كتاب نادر في صدقه، مثلما هو نادر في تعقب مرحلة فتحت العراق على أبواب جهنم أرضية هذه المرة، وهو وثيقة ترقى الى مقاربة بلاد بدت في لحظة ما وقد "اختفت خلف الكون"، مثلما هي حاضرة بين "شباب ينشدون موطني بأعمق ما عندهم من عشق وقوة ارتباط " حتى وهم يركبون حافلة لا يعرفون أي مكان سـتأخذهم اليه.
صحيح إننا هنا نتعقب مصائر شخصية، ولكننا وبدون أي قصد سنكتشف ذواتنا وهي تتابع مسارات البلاد وهي تتأرجح بين الموت والرجاء، منذ ذلك الخريف الذي دوت فيه صفارات الإنذار في مدن البلدين الجارين، حتى تكاد تصل كقارئ الى حقيقة تقارب النص بوصفه وثيقة حية على كل ما يعنيه الطغيان، وما تعنيه الذرائع لا لارتكاب جريمة وحسب، بل وتأطيرها فكريا وسياسيا. انه نص يكشف ان من يرتكب قسوته المطلقة بحق جماعة إنسانية "أقلية" و يستصغر شأنها، لن يتردد عن ارتكاب القسوة ذاتها صعودا الى "غالبية" الأمة، وهو لعمري درس بليغ، لم يجد بلاغته القصوى مثلما وجدها في ديكتاتورية رهيبة كانت تفتك بالرقاب "الضعيفة" كي ترتعش خوفا "القوية"، وصولا الى شعب في لحظة خنوع تام.
هذا نص كتبته هناء سلمان بالحنو واللطف والإيثار على مكان بدا في لحظة وكأنه يد جبار قاس على من أحبه وأخلص اليه. هذا نوع نادر من الشغف بالعراق فكرة ومعنى، وهذا نشيد محبة لا تكتبه وتصوغ ألحانه الا قلوب رحيمة مصطفاة، ومنها قلب الدكتورة سلمان والذي ظل يهفو للوطن- البيت، وإن كان مسورا بحقول ألغام، وأسيجة من خوف وأعمدة من قسوة وليس مجرد كونه مختوما بالشمع الأحمر.
هذا ليس مجرد نص مكتوب بالمحبة لوطن، حتى وإن بدا قاسيا، انه يرقى الى مرتبة النبع، مرتبة الضمير الإنساني.

*مقدمتي لكتاب "بلا رحمة ... بيت عراقي مختوم بالشمع الأحمر 1980" الذي وضعته الزميلة الكريمة د. هناء جعفر السلمان وتشرفت بتحريره وصدر مؤخرا عن "مؤسسة مسارات-بغداد" و"دار الرافدين".


اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM