مبنى بجناحين لمدينة توقفت عن التحليق

تاريخ النشر       22/09/2017 06:00 AM


علي عبد الأمير

1
في منتصف أيار من العام 1972، توقف الدراسة في صفنا السادس العلمي  بإعدادية المأمون في بغداد، استعدادا لأداء الإمتحانات النهائية في 12 حزيران. تبعت أصدقائي في عادة التجمع في متنزهات عامة عصرا وليلا أو مكتبات عامة في النهار، للمشاورة واستدراك ما فات من معلومة أوما كان عصيا على الفهم في موضوعات تبدأ من اللغتين العربية والإنجليزية ولا تنتهي بمادة علم الحيوانات الضخمة في كتاب مدرسي يزيد على 500 صفحة.
من تلك المناطق التي كنا نتجمع فيها، متنزه عام كان يقابل المحطة العالمية لسكك حديد غربي بغداد، ويحمل اسم "متنزه 14 تموز". أشجار ظليلة ومناطق عشبية كثيفة وسواق لا تغادرها مياه جارية، مما كان تبريدا طبيعيا لهواء كان يصبح رحيما   بنا واحلامنا التي كانت قوية وهادرة في صدقها ونظافتها. حقا لم اتذكر ان الحرارة كان بالقسوة التي كانت عليها بعد عشرة أعوام أو عشرين. بل ان بعضنا عادة ما كان يأخذ إغفاءة قصيرة بعد تعب المراجعة وبعد وجبة طعام خفيفة من "لفة فلافل" أو "بيض وعنبة" مع بطل بيبسي بارد بخمسين فلسا. 
في آخر ذلك المنتزه الذي يمتد 100 مترا عرضا باتجاه مدخل مطار بغداد القديم (المثنى لاحقا)، ومثلها تقريبا طولا باتجاه معرض بغداد الدولي، ثمة مبنى أنيق، كانت تبدو عمارته لي نموذجا يتفق مع تلك الأحلام التي كانت تعتمر فينا نحن أولئك الملتاعين بحثا عن تفوق علمي يثبت وجودنا وأحقيتنا لاحقا بمستقبل يشبهنا. كنت أرفع راسي بين فترة وأخرى وأنظر إلى حركة الناس بين قاعاته الزجاجية التي تلعب فيها الظلال نقيض الصحو الصيفي الحاد الذي كنا عليه.


2
في العام 2003، كنت قد عدت إلى البلاد بعد أن غادرتها قبل عشر سنوات قضيت معظمها تقريبا في عمل ثقافي وصحافي ينتظم في العمل المعارض لنظام صدام حسين، لأكتشف بعد ذلك بوقت قصير حقيقة هي صدمة كبرى: معارضو الديكتاتور الحاكمون أسوأ منه بكثير. ومن بين ما كانت اتفقده شخصيا في بغداد، أمكنة شكلت ذاكرتي الإنسانية ومسارات حياتي ثقافيا وذوقيا. زرت المكان الذي كان اسمه "لونا بارك" معرض بغداد الدولي الذي تحول ملحقا سريا بمنى مخابرات صدام حسين، وحولته حملة القصف الغربي إلى ركام من الحطام، وزرت وتجولت وحزنت كثيرا كثيرا لما آلت إليه أمكنة حميمة، ومن بينها المتنزه الذي كنت ادرس فيها استعدادا لبكالورويا السادس الإعدادي. المكان الذي صار مدخلا لمكتب يقدم إليه الشباب للتطوع في الجيش العراقي الجديد، وصار في فترة قصيرة هدفا لعمليتين إرهابيتين حد أنني وجدت بقايا أشلاء بشرية مغطاة بقطع قماش ممزقة، وقد طارت لتعلق في أعلى السياج الحديدي الذي استولى على المكان الذي كانت تشرق فيه أشجار المتنزه، حد أنني لفرط ما انتهيت إليه من حزن ثقيل، لم افتقد المبنى الجميل وجناحيه الممدودين، لا سيما انه في منطقة صارت نهبا لسيطرة مسلحي الأحزاب الحاكمة الجديدة التي اعتبرت الدولة العراقية ملكا شخصيا لها ولزعاماتها. 

3
المتنزه هو ذاته الذي غادرته في عصر اليوم الأخير قبل بدء الإمتحانات، أي في 11 حزيران 1972، ولكنني لم أعد فيه إلى البيت بل ذهبت مباشرة من المتنزه إلى سينما سمير أميس في باص فورد من ساحة المتحف إلى الباب الشرقي ومنه مشيا إلى جوهره بغداد حينها: شارع السعدون حيث دار السينما الأنيقة مبنى وتقاليد عرض ومشاهده، والتي كانت تعرض حينها فيلما ايطاليا جديدا: "أمس واليوم وغدا" من بطولة نجمي المفضل حينها، ماستريو ما ستورياني النجمة صوفيا لورين. عدت إلى البيت منتشيا هادئا واثقة من استعدادي للامتحان، واستغرب أهلي عودتي المتأخرة، وتحولت استغرابهم إلى صيحة رفض وإحتجاج: في السينما وغدا أول امتحان في البكالوريا.. كالعادة كانت نظرة أخي قاسم المبتسمة جسري إلى تفهم العائلة، التي ظلت متشككة من وعدي لها بتجاوز الإمتحان، وكان درجة 88 بالمئة في امتحان العربية، وهو الأول،  التي تحصلت عليها لاحقا تأكيدا لنظرة أخي ومعلمي الغامرة بالرضا والحبور والتفهم.

4
قبل أيام، وضمن إنشغالي الشخصي الواسع في الحصول على الوثائق المصورة التي تؤرخ الملامح الثقافية والاجتماعية والعمرانية لبغداد المعاصرة، وقعت على بطاقة بريدية معروضة للبيع على الانترنت وتحمل صورة المبنى العجيب ذلك الذي ظل ملمحا لأناقة ايامي الأولى نحو المستقبل وإن ظل شائكا بقوة. توجهت بالسؤال إلى أحد مؤرخي عمارتنا الحديثة د. خالد السلطاني، عن المبنى وأصله الوظيفي ومن صممه ومتى؟ "هذا المبنى فعلا في  بغداد، وتحديدا في أرض مطار المثنى، والدخول اليه من جهة شارع دمشق. مصمم في ١٩٥٩ من قبل مدحت علي مظلوم وهشام منير، استخدم  ككازينو ومكان ترفيهي للعوائل البغدادية. ثم تحول لاحقا كمكان انتظار للمسافرين في الرحلات المحلية. اليوم مررت بمحاذاة سياج المطار، وشاهدت المبنى اياه، بمعنى انه لم يزال أو يهدم".
هذه صورة جميلة لمبنى جميل بجناحين محلقين في محاكاة لفكرة الطيران حيث كان ملحقا بالمطار، وهو جميل كأحلامنا المحلقة في مدينة كانت تحنو علينا نحن الجيل المحب المثابر.
هذا مبنى يحيط به اليوم حراس أحزاب دولة الفساد المطلق والجريمة المنظمة. مبنى بجناحين ولكن في مدينة توقفت عن التحليق.

 



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM