مقالات  



حاتم الصكر.. الدليل إلى الأدب الجميل

تاريخ النشر       25/11/2017 06:00 AM


علي عبد الأمير 

كتبت نحو أربع مراجعات نقدية نشرت ما بين بغداد وخارجها، لكتب أصدرها الناقد العراقي حاتم الصكر، فضلا عن حوار نشرته في مجلة "اليوم السابع" الباريسية 1989، وكانت جميعا واقعة تحت تأثير رد الجميل الشخصي الذي قدمه لي الرجل خلال أيام جحيمية عنتها فصول الحرب خلال ثمانينات القرن الماضي، فمقالاته كل يوم خميس في صفحة "آفاق" بجريدة "الجمهورية" كانت تقع عندي موقعا أثيرا، لا لجهة كونها ملاذا شخصيا من رائحة البارود والظلمة الخانقة للخنادق وحسب، بل لفرادتها النقدية حيث أفقها المفتوح على أكثر من صلة اجتماعية ونفسية وتاريخانية وفق مدخلات لا تنفي صلتها بالمناهج النقدية الحديثة، لكن دون ذلك التأثر الساذج الذي وقع فيه نقاد عراقيون وعرب ممن قاربوا تلك المناهج بطريقة الترجمة والنقل ليقدموا نصوصا هجين لا هي فهمت الأصل ولا أنتجت محايثة جوهرية لها.

حوار ممتع بين النقد والنص الإبداعي 
كانت مقالات الصكر والمزدانة دائما بتخطيطات هناء مال الله، فسحة شخصية كفيلة بأن تنقذني من نوم في سرير الجحيم، ليأتي الوقت كي أرد الجميل لتلك الإضاءات التي كنت أشعر، لفرط القلق الذي كانت عليه حياتي، أن الناقد كان يوجهها لي، فكتبت مقالة عن كتابه المهم "مواجهات الصوت القادم – دراسات في شعر السبعينات"، دار الشؤون الثقافية العامة/ كتاب الطليعة الأدبية التاسع 1986، والذي جاء بحسب قراءتي(1)، تفكيكا نقديا ومعرفيا عاليا لعبارة "نحن جيل بلا نقّاد"، التي ظل شعراء الجيل السبعيني العراقي يرددها حتى بعد نحو عقد من اتضاح ملامح تجاربهم. مقاربة الناقد حاتم الصكر عنيت بقراءة انجاز أبرز شعراء الجيل، في مؤشر لحضور نقدي يوطد اتصاله مع نصوص الشعراء مأخوذاً برغبة معرفية يفترضها الوجود النقدي بأبسط أشكاله.

الناقد حاتم الصكر/ تصوير الكاتب بغداد 1987

وفي محور "التراث: رؤية الشعراء ام رؤية سواهم"؟، ثبّت الناقد للشعراء ميزة ان أغلبهم "ينطلقون من احترام تام للتراث بسبب انتمائهم الى الفكر العربي الثوري وارتباطهم بقضايا الإنسان في وطنهم وفهمهم للتحديات التي تجابه المتهم"، أما في المحور الثاني "الطفولة: حنين إلى طقس مفقود"، فرأيت فيه أفضل المحاور لشمولية مؤشراته أولاً ولفعلها المؤثر ثانياً، فلقد ظلت الطفولة دائماً (مصنعاً) دؤوباً للأحلام عند أغلب الشعراء، وثالث المحاور كان بعنوان "معاناة القصيدة: المسافة بين القدرة والطموح"، الذي قدّم فيه الناقد تعريفاً لمعاناة كتابة القصيدة "لحظة الكتابة امتحان حقيقي للشاعر، أن يختزل مشاعره ويكثفها بشكل يعطي المتلقي صورة مؤثرة عنها".
و جاء عنوان المحور الرابع "الشكل: تردد خجول بين الموروث والحداثة"، حيث سجل الصكر للقصيدة السبعينية ولعها بـ"المغامرات الأسلوبية"، ناصحا بضرورة البحث عن "أشكال جديدة تُليق بما يتجدد في أعماق القصيدة من اطروحات"،  أما المحور الخامس الأكثر إثارة للجدل "ثقافة الشاعر: تهمة أم عدة ضرورية"، فيعرضه الناقد مبشراً بنوع من الإتصال "الصحي" مع الآخر: "الإتصال يتمثل في الإفادة من خبرة الآخرين والتعرف الى تجاربهم وتوسيع الآفاق دون الإحتذاء الحرفي أو الإنبهار الساذج"، ويرى في ذلك تشخيصاً لداء عانت منه الققيدة السبعينية (ضعف الجانب الثقافي فيها)، والناقد برز متماسكاً ودقيقاً حين حمّل النقد مسؤولية ذلك الفقر الثقافي لسوء تصوير الأصالة والمعاصرة في كتابات بعض النقّاد.
وعن التجربة (الأبعاد الشخصية والتميز المشروع) إنعطف بنا الناقد عبر محوره السادس والأخير وأوضح شيئاً من سذاجة التجربة عند البعض وإختلال الرؤى المتكونة إزاءها عند البعض الآخر، غير ان الجدوى من إثارة موضوعة كهذه تنبع من سؤال يحمل جوهر المعضلة وهو أي تجربة يعنيها الناقد؟ وأي مستويات تنجح في إقامة اتصال حي معها؟ وما هي أنساق التعبير التي تنجز ذلك؟.
في تطبيقات الناقد توسم في المنهج النصي سبيلاً الى إضاءة النصوص التي إختارها، وكما قلنا فهي لشعراء يرى فيهم أفضل من يمثل الجيل، وكان طوال تطبيقاته محترساً وبشدة للبساطة التي يوحي بها المنهج لكنه يظل، وكما أحسب، أفضل وسيلة للكشف عن إنجاز الشعراء وأنساقهم الفنية، فالتجربة ذاتها لا تحتمل مناهج مناسبة أفضل من المنهج النصِّي.
والناقد الصكر حاول بمتعة فنية خاصة إعطاء نتائج أولية للقراءات من خلال إختيار عنوان محمل بالإشارات الموحية فثمة "ذراع إسرافيل القصيرة" عن تجربة خزعل الماجدي و "دخان البيت الشعري" عن تجربة سلام كاظم و "ظل وردة البحر" عن كمال سبتي و "زهرة الفقراء" عن تجربة جواد الحطاب.
وفي مراجعتي رأيت الكتاب أفضل ما كُتب عن شعر السبعينات، فهو بقدر ما يظل حميماً فإنه يظل صادقاً، فملاحقه التالية ومنها (في المكتبة السبعينية) التي تشكل ما يشبه الببلوغرافيا الحية، سجلت نهجاً طيباً في التعامل الحي دون الإدعاء حتى بأفضلية كهذه، وذلك على ما أراه قد تطلّب من الناقد تجرداً وإنغماساً في حدود الإخلاص للمهمة وبما يحمل من المسؤولية والرصانة الكثير.
 وتبقى أكثر من إشارة تكتسب حضورها، فالناقد الأستاذ حاتم الصكر، يقف على أرضية تشترك بين النقد وإبداع النص الشعري، فهو في صورته الأخرى التي أحب، شاعر له "مرافيء المدن البعيدة" 1975 و "طرقات بين الطفولة والبحر" 1980 وتشخيصاته للنص لم تبتعد عن تفاصيل (لحظة كتابة القصيدة) ومتعتها التي أشار اليها في أحد محاور دراسته، لذا فان الكتاب استحضر ذلك الحوار الممتع بين النقد والنص الإبداعي، ومنه ربحنا متسعاً لجوانب من القصيدة السبعينية "التي أضاعت شطراً من عمرها في لعبة التمرد والتجاوز ثم راحت تنفق الشطر المتبقي في لصق (عقلانية) تتكيء على مذاهب فلسفية وجمالية, أغلبها غيبي، ذرائعي يتناقض والوضع الحضاري للشعر المستقبلي وما يجب ان تكون عليه القصيدة الحديثة".
كتاب الصكر ذاك ثبّت أساسيات في فهم العملية الشعرية ومقاربتها فيما بدا تقليداً نقديا يندر حضوره في ثقافتنا أو يكاد.
 
الناقد حين يضيء 
وفي مراجعة لمهمات عدة توضع حيال الناقد، أرى ان من أبرزها اضاءة النقد لإمثولات أدبية ومعرفية غير متداولة بحكم اعتبارات الزمان والتحولات الفكرية والسياسية والاجتماعية. والصكر أضاء كثيرا، لكنني هنا أركز على موضعين قارب فيهما الناقد فكرة التنوير في الأدب العراقي خلال النصف الأول من القرن العشرين، الأول مثله مقاله المهم عن "ثورة أهل الجحيم"، الملحمة الشعرية والفلسفية لجميل صدقي الزهاوي الذي ينتصر لأهل جهنم إذ كنوا من الفلاسفة والأدباء والفنانين والشعراء ومفكرين أحرار"، بينما الجنة فقد ضمت "بسطاء الناس وعوامهم". واضاءة الناقد الصكر لذلك العمل الفريد غير المتداول في السائد الثقافي العراقي المعاصر، كانت في توجيه أنظار القارىء إلى القلق الوجودي عند الشاعر-الفيلسوف، ومغايرته الفكرية لما ذهب إليه المعري في "رسالة الغفران" ودانتي في "الكوميديا الإلهية". لقد كانت مقالة الصكر تلك درسا شخصيا تعلمت منه، لا شيئا من مهام الناقد وحسب، بل اضاءته لمن كانوا رواد التنوير في تاريخ بلادنا المعاصر وثقافتها.
وجاء في السياق البارز ذاته (الكشف عن مصادر مبكرة للتنوير)، كتابه المهم "روفائيل بطّي وريادة النقد الشعري في العراق" ومن بين فضائله الكشف عن شخصية أدبية – سياسية، تميزت بالمعرفة العميقة وإثارتها للسجال، بل ان الصكر يذهب إلى أكثر من هذا فيسمي روفائيل بطي كرائد للنقد الشعري في العراق، ويقدم في هذا الصدد أسانيد قرائية واثباتات تؤكد تلك المعالم الريادية.  فقد بدأ من مطلع القرن العشرين شوط جديد من أشواط النهضة يتمثل في محاولة خلق (مفاهيم شعرية معاصرة) تستجيب للحياة من داخل العصر، بنفس القدر الذي ترسخ فيه ملامح أدب متميز، وكان هذا قد تزامن مع بدء نهضة العرب التحررية ونشاط الحركة الاستقلالية.
ويرى الناقد أن روفائيل بطي ناقد شعر مجدد ورائد، وفي هذا الصدد لا بد من عزل دوره في السياسة والصحافة! فدوره في هذا المجال يبدو ثانويا قياسا بجهده في تكوين ملامح نظرية شعرية عمّقها بالنقد والترجمة والكتابة. هذا العزل القسري الذي وضعه الصكر لروفائيل بطي كاتجاه معرفي وثقافي وبين انهماكاته السياسية والصحافية، غير دقيق بالمرة، فما كان لبطي ان يتكون إلا بسبب تلك الحصيلة من النشاط الفاعل والمؤث،, وهو في كل ما ذهب إليه كان ممثلا لذاته التي وجدت فاعليتها في أشكال عدة من الممارسة الكتابية، أكانت نقدا أدبيا ام مقالات صحافية في نقد الظواهر الاجتماعية وفي التطلعات لنقل الأفكار من رؤى مجردة شخصية إلى نفوذ تطبيقي تمثل في انهماك بطي في العمل السياسي المباشر. والفصل الذي اقترحه الناقد الصكر جاء ضمن محور واحد لموضوع واحد ألا وهو علامات التحديث في الشعر، ويحددها في ثلاثة مصطلحات: الشعر العصري، الشعر المنثور والشعر المرسل.
ومصطلح "العصري، مستقر في نفس بطي وإن لم يكن مبتدعه فهو يستخدمه وصفا للحياة ( العصرية ) والناس ( الأنفس العصرية ) وللدواوين والأشعار والكتاب والشعراء .. والذوق أيضا "، ويحدد في مناسبة لاحقة مزايا الشعر العصري: "الشعور الصادق – الشخصية – الاتصال بالعصر – وبتاريخ وطنه"، وفي تحديده للشعر المنثور وأهميته يتوقف بطي عند نقطة تظهر اتصاله مع فنون الشعر والثقافة عند الغرب، فهو يرى فيه اتصالا مع طريقة والت ويتمان الذي كان ديوانه " أوراق العشب"، قد طبع أول مرة في اميركا عام 1855، "لقد كان رهان بطّي على الشعر المنثور الذي كتب فيه عدة قصائد، تعكس احتفاله بالمعاني والألفاظ "كما رأى اهمية الشعر المرسل والذي دعا اليه الزهاوي مهملا القافية محافظا على الوزن.
ويعرفنا الصكر على انشطة روفائيل بطّي في ملاحقة الأساليب الشعرية والتعريف باتجاهاتها وانجازاتها، واستطاع ان يقرأ في السياب قدرته على: إرسال شعره على سجيته من غير أن يتقيد دائما بتعابير رصينة أو قوالب تقليدية درج عليها صاغة القوافي الفحول في قديم الزمان وحديثه، ويذهب في الأمل برؤية صياغة شعرية جديدة عند السياب فيقول: "فعسى ان يمعن في جرأته في هذا المسلك الجديد ... لعله يوفق الى أثر في شعر اليوم" كل هذا في تقديم بطي لديوان السياب الاول "أزهار ذابلة". 
كتاب الناقد حاتم الصكر الذي كان في مقدمة طويلة ومختارات من مقالات النقد التي وضعها روفائيل بطّي، يعرفنا على شخصية حيوية ومبهرة بحق في رياديتها والمتمثلة في أكثر من اتجاه ثقافي ومعرفي، فحين نقرأ في سيرة بطّي نجد : انه ولد في الموصل العام 1901، درس في كلية الحقوق وأصدر مجلة "الحرية" الشهرية العلمية الأدبية العام 1924، وأصدر صحيفة "لبلاد" العام 1929، وسافر إلى مصر للعمل في صحيفة "الأهرام " 1946، ويفوز العام 1948 بانتخابات المجلس النيابي بعد عودته الى بغداد، وليصبح وزيرا العام 1953 لشؤون الصحافة والأرشاد، ويتوفى العام 1956 بالسكتة القلبية.

خارج الحدود .. داخل النصوص
ومع رحلة الناقد حاتم الصكر إلى اليمن ثم أمكنة أخرى انتهت أخيرا بالولايات المتحدة الأميركية، مرورا بحال اللازمان- اللامكان التي عاشها عبر فجيعته الشخصية المتمثلة باختطاف نجله في الأنبار وغياب أي أثر له، ذهبت مراجعاته إلى ما تبدو حرية أوسع من  النقد الأدبي، فقارب النقد الثقافي وحتى الفني، في توكيد مهم على دور الناقد وجوهريته. ويوفر موقعه الشخصي على الانترنت، فرصة طيبة للتعرف على هذا الفيض من الجهد النقدي الأصيل، وبخاصة في انفتاح الصكر على الأدب العربي والإنساني، لكنه وإن اجتهد المشرف عليه (من تصميم وتنفيذ الشاعر اليمني والإعلامي، الأستاذ أحمد الفلاحي)، فيظل عاجزا (3) عن تعقب تلك السيرة المدهشة من الدأب النقدي والبحث الجمالي والرأي الموضوعي لحاتم الصكر، الذي تبدو أعماله دليلا إلى الأدب العراقي والعربي الجميل، ومن آواخره مقالا مدهشا عن رواية "النبيذة" لأنعام كجه جي، أراه درسا آخر في معنى دور الناقد كمضيء لأبرز ما يحمله العمل الأدبي والفني.  
 
هوامش
(1) علي عبد الأمير، من يسمع صوت السبعينات، قراءة في كتاب الناقد حاتم الصكر، نشرت في صحيفة "القادسية" 15-3-1988
(2) علي عبد الأمير، "روفائيل بطي ناقدا رائدا: من مضيق التقليد الى فضاء الإبداع" عرض للكتاب نشر في صحيفة "بغداد" الصادرة في لندن- 21 حزيران 1996
(3) لحقني شخصيا من الأستاذ الفلاحي إجحاف غير مبرر، فهو أخذ عنوان مقالتي عن كتاب الصكر حول روفائيل بطي دون أن يشير للمصدر، فضلا عن اغفاله لكل ما كتبت عن ناقدنا الكبير!



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM