مقالات  



حديقة حسن العتابي

تاريخ النشر       10/01/2018 06:00 AM


علي عبد الأمير عجام*
على جاري نسق ثقافي واجتماعي كان سائدا في منتصف سبعينيات القرن الماضي وأصبح غابرا مع أخلاقيات اليوم، أخفيت على مدربي الصحافي أنني شقيق قاسم عبد الأمير عجام، كي لا يخصني بما هو استثنائي بين متطوعين شبان جاءوا إلى "طريق الشعب" كي ينهلوا مما فيها من خبرات فكرية وصحافية مهنية. أستقبلنا حينها مدير التحرير فخري كريم بمزيج من الترحاب والزجر المبكر في دلالة على ضرورة حضور الجدية في مشوارنا وإن كان قصيرا، فمعظمنا كان من طلبة الجامعات وهي مجرد أيام ونعود إلى مقاعد الدراسة.
صرت من حصة صفحة "التعليم والمعلم"، التي كانت رائدة حقا في هويتها، لا سيما اهتمامها الكبير والعميق بالأجيال الجديدة، وهو ما لم اتعرف عليه حتى في كبريات الصحف العربية إلا بعد نحو عشرين عاما حين صارت هناك صفحات متخصصة بالشباب والمعرفة والتربية في صحف "الحياة" و"النهار" وغيرهما.
في اليوم الأول جاءنا صوت من الحنو والتهذيب العالي، صوت الأستاذ أبو جمال، كما كان يكنى، ليدلنا على أهمية ان نتعرف على أهم ما في الصفحة ألا وهو الانفتاح على التربية الحديثة اعتمادا على المعرفة العلمية، بعد أن عرف وجود من هم في كليات علمية يدرسون اختصاصات طبية وهندسية. شجعني هذا شخصيا فقدمت له بعد يومين مقالة مترجمة عن المعرفة العلمية الجديدة في كليات الاتحاد السوفياتي ومعاهده.
صحيح أن أستاذنا ابدى أعجابه بالمادة، لكنه أنتقد طولها وسعة موضوعها على أهميته، فنشرها في الأسبوع التالي على نحو علمني درسا أولا في معنى الاختصار الصحافي، فجاءت أقرب إلى الأصل ولكن بنصف عدد الكلمات تقريبا.
سألني الرجل عن علاقتي بالإنجليزية، فاخبرته انها لغة دراستي الجامعية، وعن عربيتي، فأجبت بأنها من خلال القراءات والكتابة، فلي عدد من القصائد والمحاولات القصصية الخاصة بالأطفال، وزدت بما أدى إلى افتضاح أمري، فقلت: نشرت لي واحدة منها في "أدب الأطفال"، وهي صفحة أخرى رائدة من الصفحات المتخصصة في "طريق الشعب".
قدمت له عدد الصحيفة الذي نشرته فيه قصتي وعنوانها "الرياضيات" وهي مذيلة بإسمي. نظر إليها لتلمتع في نظرته اشارة مفاجئة، ثم عاد إليّ قائلا: إذن أنت شقيق قاسم، ولماذا لم تخبرنا بذلك؟ فكان ردي بسعي إلى التعلم دون عون من أحد حتى لو كان شقيقي الذي كانت تجربته الفكرية والكتابية قد نضجت مبكرا.
مد استاذي يده نحوي ليقودني إلى القسم الثقافي، وتحديدا إلى غرفة جانبية يجلس فيها الأستاذ صباح علي الشاهر، ليقول له: هذا ولد موهوب يصلح جهده لقسمكم، لكن دون أن يبلغه من أكون احتراما منه على ما يبدو لرغبتي في تقديم نفسي دون عون من أحد.
أسند لي الشاهر واجبا قاسيا، وجدته للوهلة الأولى ثقيلا ولا معنى له: إذهب الى مكتبة المتحف، وابحث في دليلها عن صحيفة اسمها "الصحيفة" وانسخ بخط يدك كل مقالة كتبها شخص اسمه حسين الرحال أو مقال افتتاحي وارجع إلي بعد أسبوع، وهو ما فعلته، ولكن بعد أن فهمت الدرس الذي لم أكن قد عرفته أولا: أن اتعرف إلى تجربة رائدة في الفكر العلمي والتقدمي، لا سيما انها كانت في العشرينيات ووسط أجواء متزمتة اجتماعيا ومحافظة سياسيا. وفضلا عن هذا فقد تعرفت على درس آخر عظيم، فالرحال أبهرني بمعرفته للعالم المتقدم حينها ونقله أفضل ما فيه إلى بلاده.
أنتهى مشواري التطوعي بعد أن ذهبت إلى الأستاذ حسن العتابي، إذ عرفت أسمه عن طريق أخي قاسم الذي عرفت بمشواري العجيب ذاك من الصحيفة، شاكرا له ما وجدته من اهتمام وحسن توجيه، بوصفه معلمي الأول.
بعد أيام حدثني صديق الروح ابن شقيقتي طه محمد حسن عجام، عن سهرة عجيبة في بيت صديقه سامي حسن، وفيها كان الوالد مايسترو احتفال عجيب ميز تلك السهرة الرياضية والتي شهدت احتفالا صاخبا حين تابعوا نقلا حيا لمباراة كاس أوروبا 1976 والتي فازت فيها تشيكوسلوفاكيا الاشتراكية على ألمانيا الغربية.
بعد تلك الهناءات، جاءت غيوم سود لتنهي حفلة الجبهة الوطنية، ولتمطر موتا وتشريدا وتعذيبا، توجه اعتقال سامي وتغييبه، لتغيب معه سعادات صغيرة بدت غريبة على البلاد وايقاعها التدميري.
في الأيام الأولى لسقوط النظام السابق، كنت أرى إمكانية استعادة بعض تلك الهناءات وإن غطاها الخوف والرعب وبللتها الدموع، فعملت على اصدار أول صحيفة يومية في بغداد لا تمد يدها إلى أملاك الدولة العراقية، بل يحسب لها انها أعادت للمطابع العراقية دورها البارز:  طبع الصحف بعد سنوات من العمل التجاري المحض. هكذا كانت تجربة "نداء المستقبل" التي كنت بالأصل اسبوعية تصدرها حركة الوفاق الوطني العراقي في السليمانية أثناء سلطة النظام الديكتاتوري.



جمعتني التجربة العجيبة في دلالاتها وإن كانت قصيرة، وأمتدت من الثاني والعشرين نيسان 2003 إلى منتصف حزيرن من العام ذاته، إلى اثنين من العائلة العتابية الكبيرة، فلاح مصمما ومنفذا وعلاء كاتبا ومحرر أخبار من طراز فريد.
وبحكم إن لا مكان محددا كان يضمنا في العمل سوى مطبعة مريوش التي بدت رحبة وتتسع لبعض أحلامنا تلك الأيام، كان الطريق مشرعا إلى بيت حسن العتابي. غمرني الرجل بشحنة مضاعفة من الأعجاب والتقدير الذي عرفته منه أول مرة. مثلما كانت نبرات صوته تشيع فيّ الأمل رغم الفوضى التي كانت سمة الأحداث. 
كانت حديقة البيت مكاننا الأثير، وكانت أحأديثه في الفكر والسياسية والعمل الصحافي ناعمة كالعشب الذي كنت اتحسس طراوته، على الرغم من خلافنا حول مآلات الفكر اليساري في العراق وأزماته. انقطعت لاحقا عن تلك اللذائذ الروحية، بحكم انشغالات عملي مسؤولا لمكتب راديو سوا في بغداد وهنا سيرافقني علاء حسن بشجاعة لافتة، وصولا إلى عملي في اللجنة الإعلامية التابعة لمجلس الحكم فضلا عن كوني مراسل صحيفة "الحياة" ومسؤولية المكتب الصحافي التابع لحركة الوفاق الوطني العراقي.
كان لقاؤنا الأخير بعد أن أنهيت كلمتي في حفل تأبين أستعادت فيه العائلة العتابية ذكرى الغائب الحاضر سامي حسن، وأبهج معلمي أنني ختمت كلمتي بالاشارة إلى دجلة، حيث كان مكان الحفل يطل على النهر، وكيف كانت ضفته الخضراء آخر مكان ألتقي فيها بالراحل الموهوب والمتقدم مهنيا وفكريا على عصره، وكيف نعود إلى المكان ذاته لنستعيد أثره الحي، وكأنه ينظر إلى قتلته وهم بالكاد كانوا يجدون مهربا في الضفة الأخرى من النهر.
أن أستعيد معلمي حسن العتابي عبر حديقته، يعني استنشاق ريحانه ونعناعه وزهوره، ولمس طراوة عشبه، وذلك لعمري أجل ما يمكن أن تفعله في استعادة إنسان: أن تستنشقه كعطر.

*كلمة كتبت خصيصا للإحتفاء بذكرى رحيل الأستاذ حسن العتابي في 16/12/2017 (الصورة) والقاها نيابة عني نجله الصديق الدكتور فلاح العتابي.



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM