الطبقة المتوسطة في العراق: حلم تهاوى!

تاريخ النشر       20/03/2018 06:00 AM


علي عبد الأمير عجام

حتى منتصف ثمانينات القرن الماضي كان العراق يفخر بوجود نخبة مثقفة تمتد من خيرة المهندسين والأطباء والأكاديميين ولا تنتهي بمنتجي الآداب والفنون والإعلام، غير إن فخراً كهذا ما لبث أن انفرط على مراحل كانت توجز أوضاع البلاد، فالحروب ( مع إيران 1980-1988) و( غزو الكويت 1990 ثم حرب تحريرها وما تلاهما من ضرب النظام العراقي للشمال والجنوب 1991)، ومن ثم بدء تأثير العقوبات الدولية القاسية، جعلت استحقاقات الدولة المسيطرة كلياً على حركة المجتمع متجهة إلى التعبئة العسكرية، وضم كل قطاعات الإنتاج البشري إلى الآلة الحربية، ومن هنا جاءت إشارة الرئيس العراقي السابق صدام حسين في العام 1990 "لا نحتاج هذا العدد من الأكاديميين في الزراعة وعليهم التوجه الى منشآت التصنيع العسكري او الإستقالة".

الإحصاء الأليكتروني أوائل ثمانينات القرن الماضي

صحيح إن الدولة العراقية رعت ابتداءً من منتصف سبعينات القرن الماضي بعثات دراسية متقدمة أرسلت بموجبها آلافا للتخصص في العلوم، لكن ذلك كان يتم وفق حسابات سياسية، فالمبتعثون هم من "المؤكد ولائهم للسلطة" فيما يمنع ترشيح أي مرشح للدراسات العليا حتى وإن كان متفوقاً، دون أن يكون اجتاز اختبارات الولاء السياسي ودون تزكية من حزب "البعث" الحاكم، تؤكد ان المرشح يوالي الحكم ومخلص له.

وفي حين تسيطر الدولة على اقتصاد البلاد بشكل كلي، وتشغل ملايين العاملين من متحصلي الشهادات الجامعية الأولية والكوادر الوسطى (مساعدي مهندسين ومساعدي اطباء ومساعدي مهندسين زراعيين وموظفين في مكاتب ومؤسسات)، موفرةً لهم مرتبات تجعل ديمومتهم كـ" طبقة متوسطة" أمراً ممكناً، فانها تخلت عن ذلك بعد فرض العقوبات الدولية على العراق، فأصبح معدل الدخل الشهري 4 دولارات للموظف العادي  ويصل الى 10 دولارات للأستاذ الجامعي. ومثل هذا الإنحدار في الأوضاع الإقتصادية لمن يمثلون "الطبقة المتوسطة" وضمن فئاتهم الواسعة من العاملين في قطاعات الدولة، أوجد تحديات من مثل: أما البحث عن "عمل حر" والتخلي عن الدور التنويري والمعرفي والعلمي والتربوي، أو الهجرة الى خارج البلاد.

في الخيار الأول (التحول الى أعمال لاعلاقة لها بالتخصص العلمي)، توجه عشرات الآلاف من المعلمين والمدرسين والمهندسين وحتى الأطباء فضلا عن أساتذة جامعة وأكاديميين، وضباط جيش ممن احيلوا إلى التقاعد "للشك في ولائهم" بعد حرب الخليج الثانية 1991، الى أعمال في التجارة ( سمحت الدولة للقطاع الخاص بالدخول الى هذا المجال بعد أن كان حكراً عليها) وفي الزراعة وقليلاً في الصناعة، إلا إن العدد الأكبر ممن خرجوا فعليا عن دور "الطبقة المتوسطة" التنويري والتربوي كانوا وجدوا في أرصفة شوارع بغداد والمحافظات وأسواقها، أمكنة جديدة لنشاط لايحتاج "خبراء" للبروز فيه وتحقيق مردود اقتصادي يوفر لقمة العيش، حيث كان ينافسهم من " قاع المجتمع" من قليلي الحظ في الدراسة والعلم، ولهؤلاء " القدح المعلى" في أخلاق " السوق السوداء" التي بدأت تسود على نطاق واسع في العراق منذ العام 1991 .

وفي الخيار الثاني (الهجرة إلى خارج البلاد) نجد وبحسب أرقام رسمية أعلنها النظام السابق في العام 1999، وضمن دراسة خاصة مقدمة من أربع وزارات عراقية هي التعليم العالي، الصحة، الصناعة والتربية، إن نحو 340 ألف مهندس وطبيب ومدرس ثانوي ومن حملة الشهادات الجامعية الأولية والماجستيروالدكتوراه غادروا البلاد على الرغم من قرارات حكومية تمنع حتى العام 1998 سفر المهندسين والأطباء واساتذة الجامعات .

هذا العدد الكبير ممن يمثلون تركيبة فاعلة في المجتمع العراقي وجد طرقه الخاصة بـ" الهروب" خارج البلاد مع وجود قرارات منع السفر، فغالبيتهم دفعوا رشاوى إلى موظفين في دائرة الجوازات والسفر كي يحصلوا على وثائق سفر باسماء ووظائف غير التي يحملونها، وهم بذلك تحولوا من دعائم الحركة الإجتماعية الى داعمين للفساد، أي انهم تحولوا الى نقيض التوصيف الذي يجعلهم قريني البناء الإجتماعي وتطور البلاد .

جغرافيا توزع "المتعلمون المهاجرون" ما بين  دول عربية : الأردن، ليبيا، فاليمن وبين دول غربية وصلوا إليها بطرق شرعية ( لاجئين دوليين) أو غير شرعية عبر شبكات سفر العراقيين التي نشطت لإيصالهم الى أوروبا وأستراليا وكندا وقليلاً إلى الولايات المتحدة.

ويمكن ملاحظة مستويات عدة في هجرة الكفاءات العراقية إلى خارج البلاد، فالمهندسون والأطباء كانوا يفضلون الوصول إلى استراليا، نيوزيلندا، كندا فالولايات المتحدة، أما أساتذة الجامعات ففضلوا الأردن فليبيا فاليمن وضمن عقود عمل مع جامعات رسمية واهلية، بينما توزع نحو ثلاثة آلاف من أدباء العراق وكتابه وصحافييه وإعلامييه وفنانيه مابين سوريا و الأردن واليمن ومصر( اقامة مؤقتة) و السويد، الدانمارك، هولندا، المانيا، بريطانيا، كندا، استراليا، نيوزلندا والولايات المتحدة (لاجئين دوليين تحولوا لاحقاً إلى مواطنين في تلك الدول).

وعوضاً عن دورها التنويري البناء في المجتمع، تحولت الفئات المهاجرة الواسعة من "الطبقة المتوسطة" إلى تشجيع "فئات طفيلية" بدأت تنشط في مجال التحويلات المالية للعاملين في الخارج وإدارة عمليات تهجير عوائل من أقام في الخارج، دون معرفة الدولة، وتنشيط مشاريع اقتصادية صغيرة استهلاكية قائمة على شراء العقارات وفتح الأسواق التجارية وتصعيد مستويات ادخال المنتجات الإستهلاكية الى البلاد .

سياسيا، شكلت الأعداد الكبيرة من الفئات المتعلمة في خارج العراق نوعا من "الإعلان السياسي" المضاد للحكم في العراق، وأصبح الوجود العراقي المثقف في خارج البلاد مثلاً يضرب على ماوصلت إليه أحوال البلاد تحت حكم الرئيس صدام حسين، ومع انضمام آلاف من المتعلمين المهاجرين إلى قوى معارضة للسلطة في بغداد ( 1991-2003) إلا إن الأغلبية ( نحو 4 ملايين مهاجر) ظلت على قنوات اتصال مع البلاد خوفا من عيون السلطة التي وصلت أعداد كبيرة منها إلى المجتمعات العراقية المهاجرة، وخوفاً من بطشها بمن بقي من الأهل في داخل البلاد، كما ان أعدادا لايستهان بها من الكفاءات العراقية المهاجرة خرجت من "رحم السلطة" وظلت لا تجاهر بامتعاضها من الأوضاع في البلاد، ملقية باللوم على العقوبات الدولية فيما وصلت اليه البلاد من انحطاط علمي واجتماعي وسياسي، فهي حرمت العراق من موارده الأساسية (تصدير النفط) .

وضمن التأثير السياسي لهجرة " الطبقة المتوسطة" نجد إن النظام العراقي السابق " تخلّص" من أعباء فئات واسعة قادرة عبر التحليل والمراقبة والتأويل لما يحدث في الدولة والمجتمع، على خلق نوع من التذمر الذي قد يتحول نقداً مباشراً وعلنياً للسلطة، ويوصل الأمور إلى حد المواجهة الواسعة، وعوّض الحكم في بغداد اعتماده على " فئة غير مضمونة الولاء" في تثبيت هيبته، إلى الإعتماد الكلي على نحو 100 ألف متطوع في الجيش وضعفي العدد في الحرس الجمهوري، ونحو نصف مليون شخص في اجهزة المخابرات والأمن، وقوات "الأمن الخاص" و" فدائيو صدام " ومن ميلشيا الحزب الحاكم، واذا ما عرفنا إن جلّ تلك الأعداد الضخمة في الأجهزة العسكرية والأمنية والحزبية جاء من أوساط اجتماعية متدنية في العلم والمعرفة، وانها نالت عبر ولاء للسلطة، الكثير من الحظوة الإقتصادية وأشكالاً من النفوذ  لعرفنا كيف أخلت " الطبقة المتوسطة" مكانها في المجتمع العراقي لصالح ضباط أمن وجيش ومخابرات وقادة حزبيين كانوا على الأغلب من أصول ريفية لا تهتم في العادة بالتحصيل العلمي ولا ترى فيه كما في مجتمع المدينة سبباً للتأثير الإجتماعي.

وفي الجانب السياسي – الإجتماعي نجد إن السهولة التي ميزت انهيار الطبقة المتوسطة في العراق، هو في غياب مؤسسات المجتمع المدني في البلاد، فالنقابات التابعة للدولة كانت تقف إلى جانب السلطات الأمنية إذا ما تعرض أحد منتسبيها إلى الإعتقال أو السجن، بل أن حوادث كثيرة كانت فيها قيادة نقابة ما "عيناً" للسلطة على "زميل" وأسهمت في اعتقاله ومن ثم اغتياله .

و تغييب مؤسسات سياسية ومهنية مستقلة في العراق، هو سياسة ثابتة لـ" البعث" منذ وصوله الى سدة الحكم في تموز/يوليو 1968، فمنعت الأحزاب والقوى السياسية من العمل في مجالات عسكرية ومدنية ووقع ملايين العراقيين بعد نهاية التحالف مع الشيوعيين في العام 1978على وثائق تعهد بان حكم الإعدام سينفذ بهم في حال انضمامهم الى غير حزب البعث الحاكم، وسيطرة الحزب والدولة المطلقة على المجتمع في العراق أنهت فعليا وجود كيان مؤثر وحقيقي للطبقة الوسطى فضلا عن تحويلها الى أداة تحركها السلطة باي اتجاه تريد، ومن هنا لاغرابة في إن أعدادا هائلة من مثقفي العراق ومتعلميه كانوا وقود الحكم في حروبه الداخلية والخارجية.

وفيما بدأت السلطة العراقية السابقة بالتعامل مع التكوين الأكبر للطبقة المتوسطة على أساس كونه "غير مضمون الولاء" وتحدث الرئيس صدام حسين في اجتماع لمجلس الوزراء نقلته وسائل الإعلام لاحقا، عن اتجاه "ضروري" للتمييز بين "وطنية " العراقيين بين مواطني الداخل ( لهم الأفضلية) وبين مواطني الخارج (ناقصي الوطنية)، كانت مؤسسات دولية ( بينها مكتب العراق في الأمم المتحدة والمؤسسات التابعة للمنظمة العالمية)  تضع الدراسات حول اسهام " مؤكد" لخبرات عراقية في خارج البلاد باعادة الإعمار بعد تغيير النظام الحاكم مع اقتراب ساعة صفر الإطاحة به في حرب آذار 2003.

يتبع..........



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM