عن صعود الطبقة المتوسطة وانهيارها في العراق- معاول الحصار الثقيلة

تاريخ النشر       22/03/2018 06:00 AM



علي عبد الأمير عجام

مدن تكتسب مظاهر الريف وفظاظة إجتماعية
إنعكست سنوات الحرب والحصار بأبعادها النفسية والإقتصادية على مزاج الشباب العراقي وسلوكه في غير مجال، وإذا كانت النسبة الأكبر من الشباب في بغداد والمحافظات، تحرص في الماضي على الظهور بهندام عصري أنيق، فهي لم تعد كذلك خلال سنوات الحصار، وتحديدا الأخيرة منها، حتى إن اللباس الشعبي الريفي (الدشداشة) عاد ليفرض حضوره، وليتراجع الزي الأوروبي، طالما انه يكلف مالاً لا يقدر على توفيره أكثر العراقييين تلك الأيام.
ومثلما أفرزت الحرب ووقائع الحصار(1)، ظواهرها الإقتصادية والنفسية، أفرزت أيضاً ظواهر اجتماعية في أوساط شباب العراق، فثمة أبناء العائلات الميسورة من كبار التجّار والمسؤولين، وثمة فئة أخرى من الشباب الذين لهم إخوة وآباء في خارج البلاد وهؤلاء ينعمون بموارد مالية تجعلهم قريبين إلى "التمتع بمباهج حياة" لا تتوافر لعموم العراقيين بسهولة.
وحيال هذا التنوع، بل الإختلاف الحاد في المداخيل، صارت أروقة الجامعات والمدارس الثانوية، مكاناً تنعكس فيه اختلافات الوضع الإجتماعي واختلافات أبناء المدينة وأبناء الريف أو المدن البعيدة (عن العاصمة بغداد) التي تزداد فيها ملامح الريف حضوراً لما عانته من وطأة وعزلة، ومن فقر جعلها تبتعد عن إيقاع العصر بخطوات متسارعة.
 وكانت خطوة الجامعات العراقية في إلزام الطلاب والطالبات إرتداء "الزي الموحد" قبل ثلاث سنوات (1998)، بعد فترة من التراجع عنه، جزءاً من "حملة تربوية" للتقليل من هذا التباين الإجتماعي والإقتصادي بين فئات المجتمع ومن انعكاساته في الجامعة. وكان لـ"الإتحاد الوطني لطلبة العراق" وإدارات الجامعات العراقية، الدور الحاسم في التحذير من إنعكاسات نفسية "قهرية" قد يتعرض لها معظم الطلاب وهم يرون قسماً من زملائهم ينعمون بمظهر أنيق يراعي خطوط الأزياء المعاصرة، بينما هم بالكاد يتدبرون ملابس لا تظهر عليها "علامات الفقر" وتجعلهم يشعرون بعلاقات "متوازنة" مع أولئك الذين تظهر عليهم "علامات الثراء".
 ولكن من أين يحصل الشباب العراقي المحاصر على ملابس تنتمي للعصر وتجعله على إتصال ما، بإيقاع جديد ومتغاير، كالذي كانت تنتظم فيه أجيال من شباب العراق في العقود الثلاثة قبل عام 1990؟.
 تتعدد الموارد، فهناك شركات عامة للخياطة، تتفق معها الجامعات على إنتاج ملابس رجالية ونسائية يلتزم طلاب الجامعات بإرتدائها. وهناك الأسواق التجارية التي تستورد مجموعة واسعة من الأنواع، تبدأ من الرخيصة وتنتهي بالفاخرة التي تتركز أسواقها في حي "عرصات الهندية" في بغداد، وهذه زبائنها معدودون ومن الفئات التي برزت بعد حرب الخليج الثانية 1991، وهناك أيضاً أسواق الملابس الأوروبية المستعملة "البالات".
سقط متاع الآخرين
 بعد مناقشات ساخنة وقرارات بالموافقة على إستيرادها، ومنعها لاحقاً وصلت الى حد تدخّل المجلس الوطني العراقي (البرلمان) العام 2001، انتظمت أسواق بيع الملابس الأوروبية المستعملة "اللنكات" أو "البالات" في مناطق كثيرة من بغداد والمحافظات. ومعها أثيرت سجالات بين الشباب العراقي الذي بات أكثر المستهلكين لما تستورده تلك الأسواق، لا سيما انها توفر "الموديلات" الحديثة وبأسعار تبدو في متناول اليد تبدأ مع ألف دينار عراقي للقطعة وقد تصل إلى عشرة آلاف (5 دولارات).
وهناك من الشباب العراقي من يرفض اقتناء هذه الملابس المستعملة(2) وإن كانت من "الموديلات" الحديثة والأنواع الفاخرة، ويلتزم مبدأ "أرفض ارتداء ملابس هي سقط متاع الآخرين".
وهناك من يقبل على شرائها من الشباب بعد أن يجري عليها عمليات تنظيف وتعقيم بعد ان كانت وزارة الصحة حذرت من احتمال نقل الملابس المستعملة المستوردة أمراضاً جلدية وأخرى وبائية، ويقول أحد الشبان من رواد سوق "البالات" في منطقة (بغداد الجديدة) انه يقوم بغسل الملابس بالماء الساخن مرات عدة وينشرها في الشمس ثلاثة أيام لتتولى أشعة الشمس العراقية الحارة تعقيمها، ولتختفي الرائحة منها.
 ومع وجود مؤشرات الى ان نسبة الإصابة بالأمراض الجلدية إزدادت في شكل ملحوظ منذ بدء التعاطي مع ملابس "البالات" على نحو واسع في العراق، يقول أخصائي الأمراض الجلدية الدكتور علي عبد الحسين الزيدي ان "احتمال انتقال الأمراض الجلدية لمرتدي هذه الملابس وارد جداً" لافتاً إلى الإصابة بأمراض "الحساسية والجرب والأمراض الزهرية (التناسلية) القاتلة".
الملابس... مرايا إجتماعية
 رنا عبد الحميد الطالبة في جامعة بغداد، تقول انها تتطلع أحياناً في الصور الفوتوغرافية الخاصة بوالدها ووالدتها، وتتوقف عند الأناقة الظاهرة على ملابس والدتها على وجه الخصوص، وكيف انها قبل ثلاثين عاماً كانت ترتدي كل هذه الملابس الأنيقة والفاخرة، وكيف كان والدها يرتدي ما يناسب الوقت والمناسبة، وكيف انه في الجامعة كان "سبور" وكيف أصبح لاحقاً في الوظيفة أنيقاً الى درجة لا يمكن لشباب العراق خلال الحصار اليوم ان يظهروا عليها!! وترى انها اليوم باختيارها الحجاب بينما كانت والدتها ترتدي "الميني جيب"، تراعي جوانب "أخلاقية" و "اقتصادية" على حد سواء، فالظروف تغيرت، وأصبح الحجاب يستدعي تكاليف أقل، ومعه تنتفي الحاجة الى متابعة ما يستجد في الأزياء وأدوات الزينة.
 فراس مهدي يرسم صورة كئيبة، فهو يقول عن ملمحه الخارجي وما يختاره من ملابس تتناسب مع سن الشباب (يبلغ عمره 26 عاماً) انه لا يحتاج من الملابس الى الكثير، فهو يقبل بأي مظهر طالما ان عمله في بيع المواد الغذائية والسكائر على رصيف في مدينة البياع ببغداد لا يستدعي مظهراً فاخراً على رغم انه نال قبل سنوات تحصيله الجامعي في الإقتصاد، وهو يشير إلى انه في البيت يرتدي ملابس بسيطة أقرب الى الزهد تناسب وضعه الإجتماعي والإقتصادي.
وإذا كان (شارع الرشيد) و (شارع السعدون) لأوقات طويلة، يعجّان بمحلات بيع الملابس الفاخرة في بغداد, فإن تلك المحلات أغلقت ابوابها تقريباً، وخفتت أضواؤها، وتركزت الحركة على مكان واحد في (شارع الرشيد) هو (السوق العربي) وفيه محلات لبيع الملابس رخيصة الثمن، ومن أنواع كان العراقيون يأنفون شراءها فإذا بهم اليوم لا يملكون ثمنها ليشترونها.

العراق 2000: عن قنبلة المجتمع الموقوتة
تعترف وزارة التربية العراقية إن نحو 23 في المئة من التلاميذ الصغار6-15 سنة خارج مقاعدهم الدراسية (3) وانها غير قادرة على منع ذويهم من استخدامهم في أعمال وحِرف متعذرة، ما يسهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية المتفاقمة التي تعانيها العوائل العراقية جراء الحظر الذي طاولت نتائجه البنى الاجتماعية والقيمية وهزتها بعنف،, فتحول قرار "التعليم الإلزامي" الذي يعاقب كل عائلة لا ترسل أطفالها الى المدرسة حتى المرحلة المتوسطة الى مجرد ذكرى من أيام كان فيها للعراق نظام تربوي صارم وفاعل.
وفيما يرى أخصائيون تربويون وباحثون اجتماعيون إن نحو مليون صبي أمّي وجاهل ومعرفته مشوهة عبر علاقات السوق التي تسيطر عليها مفاهيم الكبار، إضافة الى ألوان من الحرمان وعدم القدرة على معايشة مراحل الطفولة والمراهقة بشكل طبيعي، إن هذه الظاهرة "أطفال الشوارع" ستكون قنبلة المجتمع العراقي الموقوتة في المستقبل، فهم سيحملون معهم فهماً محدوداً للعالم وللأشياء، ناهيك عن قطيعة تامة بينهم وبين المعرفة.


أولاد عند مدخل سوق الشورجة ببغداد 2001/وكالة الصحافة الفرنسية

الصحف العراقية بدورها لم تتمكن من إغفال الظاهرة على رغم المحظورات الكثيرة وذلك عائد إلى إنها ظاهرة باتت تتسع لتشمل نسبة كبيرة من تلاميذ العراق وبالتالي شريحة كبيرة من المجتمع، وبدأت تلك الصحف تعرض لمشاهد من (إشارات تقاطع المرور)، أحد الأمكنة المفضلة لأطفال الشوارع، فتحاور طفلاً يبيع أكياس النايلون فيقول لمندوبها انه يربح يومياً ألف دينار (نصف دولار)، وآخر يبيع اكسسوارات السيارات وأدوات زينتها، غير أنه يشكو كساد بضاعته فيقول "سيارات العراق قديمة فكيف يشتري لها الناس أدوات زينة".
طفل صغير (6 سنوات) اسمه قيس تلتقيه مندوبة صحيفة "الاتحاد" الأسبوعية لتسأله لمَ انت في الشارع وليس في المدرسة وماذا تبيع: "أبيع فراشات يعلقها السائقون في سياراتهم وأكسب ألفي دينار وأخي يبيع الليفة (تستخدم لتنظيف الجسم في الاستحمام) واضطررنا الى كسب لقمة العيش لوالدتي واخواتي بعد وفاة والدي".
طفلة اسمها مها (9 سنوات) تجلس على رصيف ليس بعيداً من والدتها، الطفلة تبيع الخبز والأم تعرض حبات الهال والبهارات وتجيب: "العيشة صعبة ... ولهذا بدأت اصطحب ابنتي الى الرصيف كي تساعدني فحُرمت من المدرسة".
فلاح، طفل في السابعة من عمره يجهد كثيراً في دفع عربة ثقيلة محملة بقناني غاز الطبخ لينادي بين البيوت لبيعها أو يتفق مع أصحاب المطاعم ليقوم بتجهيزها لهم.
في منطقة "الشيخ عمر" وسط بغداد تنتشر محال وورش تصليح السيارات وفيها للأطفال "الهاربين" من مقاعدهم الدراسية حصة كبيرة، لا بل ان بعضهم أصبح "المعلم" وهو بالكاد اجتاز العاشرة من عمره.
مكب النفايات: غروب سنوات الطفولة
ثمة عوائل تعيش في مكب كبير للنفايات في إحدى ضواحي بغداد، وتسكن بيوتاً مؤلفة من طابوق وصفيح مسروقين (...) الآباء والأبناء منهمكون في اخراج معالم الحياة من تلال مكب النفايات الذي يعاني هو الآخر تراجعاً في محتوياته الصالحة، فالعراقيون تراجعوا عن رمي الأشياء المستعملة والتالفة من الصحون والملابس والورق، فهذه أشياء يمكنهم استخدامها مجدداً أومقايضتها بجديدة من (تجار) صغار يدورون في الشوارع.
وعند سؤال الآباء الذين راحوا يتسللون من موقع المكب الى المقهى القريب للعب الدومينو وليُبقوا أطفالهم في مهمة التنقيب في النفايات: "لماذا لا يذهبون الى المدارس"؟ أحد الآباء أجاب: "ماذا يفعلون بالقراءة والكتابة؟ نحن لا نبحث عن العلم هنا، نحن نبحث عن العيشة في أكوام النفايات ... وهذا أمر لا يحتاج الى قلم أو مدرسة".
وفي مكان مشابه آخر سألت صحافية أماً "تضع يدها على بطنها المنفوخة" عن الحياة التي سيعيش أبناؤها: "هم وُلدوا هنا (مكب النفايات) وأغلب الظن أنهم سيموتون هنا أيضاً".
مهدي وشقيقته رغد من أطفال يعتلون أكوام النفايات. الصبي يتولى رعي (غنمات) والصبية تبحث عن بقايا البلاستيك والزجاج لتتولى الأم لاحقاً جمعها في أكياس وبيعها الى تجّار يقومون بإعادة تصنيعها، ومن هنا برزت في العراق مصطلحات: "البلاستيك المعاد" و "الزجاج المعاد" و "الورق المعالد" أي المُعاد تصنيعه.
وتغدو الأسئلة منشطرة في ما يخص الأطفال الذين يعملون في النفايات وتصنيف موجوداتها وبالتالي عيش فترات طويلة من أعمارهم في الأزبال وقريباً منها، وهنا تفاجأ الصحافية بأجوبة من نوع: "البعض يموت بعد أن تظهر عليه أعراض لأمراض ما أنزل الله بها من سلطان ... أما البعض الآخر فاكتسب مناعة دائمة".
وتزداد المفاجأة وقعاً وثقلاً حين تكتشف الصحافية إن "تجارة الأزبال" هي التي تقوم بتنظيم العمل هنا في مكب النفايات، فالعوائل (تشتري) سيارات نقل النفايات بمعدل ثلاثة آلاف دينار لكل سيارة غير انها تخسر أحياناً حين لا تجد في حمولة السيارة من النفايات ما يعوض سعرها، وأحياناً تربح ربحاً وفيراً.
وحين تترك مكب النفايات تقول أنها "خرجت بلا أمل" مؤكدة: "يتحتم على الجهات المسؤولة ان تجد حلاً سريعاً لهذه المشكلة ... فنحن نؤمن تماماً بأن في أيدي المختصين من الحلول ما نعجز عن وضعه أو اقتراحه, ولكن المشكلة ان هذا الموضوع كما يبدو ليس من الأهمية بمكان ليحتل جانباً من التفكير والتخطيط، وبالتالي فإن الأمل في التنفيذ يبدو ضرباً من الخيال".


2001: مليون عانس يؤشرن أزمة إجتماعية حادة
بدا الزواج في ظل ركود اقتصادي وأزمة اجتماعية تعانيها قطاعات عريضة من الشباب العراقي التي تئن تحت تأثيرات الحصار، وبالذات تلك التي تعيش في بغداد وكبرى مدن البلاد وكأنه عملية شديدة التعقيد وباهظة التكاليف(4).
وتكشف صحيفة "الرافدين" الأسبوعية عن نحو مليون امرأة عراقية تتراوح أعمارهن بين 35و45 عاماً (خارج السن الطبيعي للزواج) غير متزوجات، في مؤشر على تصاعد (العنوسة) في المجتمع العراقي الذي لم يكن يعرفها قبل عشر سنوات.
ونقلت الصحيفة عن إحصائية لوزارة العمل والشؤون الإجتماعية، تصاعد حالات الطلاق "بسبب الظروف الإقتصادية الصعبة" مشيرة الى أن العام الماضي شهد ألفي حالة طلاق في مقابل 1750 حالة زواج أي ان الطلاق فاق الزواج بنسبة ليست قليلة. كما ان ألفي حالة زواج في بلد يبلغ تعداده أكثر من 23 مليون نسمة (حسب إحصاء عام 1997) وضمن نسبة كبيرة للشباب فيه، تعني مؤشراً قوياً على عزوف الشباب العراقي عن الزواج.
وكانت السلطات العراقية وبتدخل مباشر من الرئيس صدام حسين، أقرت خطوات تشجيعية للشباب على الزواج أبرزها تقديم قرض بمبلغ نصف مليون دينار (250 دولاراً) للراغب بالزواج يستقطع منه على دفعات شهرية طويلة الأمد، وبيع الخشب اللازم لأثاث غرفتي النوم والاستقبال بسعر مخفّض من قبل وزارة التجارة إلى الراغبين بالزواج، وإعلان الأفضلية للتعيين في الدوائر الحكومية للمتزوجين. وقصدت تلك الاجراءات الى التخفيف من أزمة اجتماعية ضاغطة، عنوانها العريض: شباب من كلا الجنسين بلا زواج، يعني مشكلات اجتماعية كبيرة واختلالاً في التركيبة المتوازنة للمجتمع.
ويبدو ان الأزمة الإقتصادية والنفسية الطاحنة التي تعانيها أجيال من العراقيين ما بين 25-40 عاماً لم تلق بظلالها في تأخير موعد تشكيل بيت المستقبل عبر العزوف عن الزواج وحسب، بل وفي ازدياد حالات الطلاق عن حالات الزواج (كما في احصائية وزارة العمل والشؤون الإجتماعية المذكورة سابقاً) لتتسع الأزمة الإجتماعية الى أكثر من رجل عازب أو امرأة مطلقة، بل الى أطفال يعانون أزمات نفسية.
وأسست السلطات العراقية "مؤسسة صدام الإجتماعية" التي أوكلت إليها مهام تشجيع الشباب العراقي على الزواج والبحث في الأزمة التي يعانيها أكثر من مليون شاب يرفضون الإقتران بشريكة العمر، ومع الرقم الجديد للنساء العراقيات (العوانس) الذي أعلنته وزارة العمل والشؤون الإجتماعية،, ونحو مليون فتاة ما بين سن الرشد (18 عاماً) والسن التي إعتُمِدت لتحديد العنوسة (35-45 عاماً)، فإن نحو 3 ملايين شاب وشابة في العراق أبعدتهم نتائج الأزمة الإقتصادية والإجتماعية التي تشهدها البلاد منذ أكثر من عشر سنوات عن تحقيق امنياتهم في "الإستقرار" النفسي والإجتماعي بحسب ما تأمله الثوابت والقوانين الإجتماعية.
العزوف عن الزواج بسبب تدهور الأجور الشهرية وندرة فرص العمل أصلاً، وأزمة السكن الطاحنة (أعلن العراق ان مليوناً و 800 ألف وحدة سكنية يحتاجها لتخفيف أزمة السكن)، قادت الى ظواهر غريبة لم يكن يعرفها العراقيون من قبل، عبر إعلانات الزواج في الصحف الأسبوعية التي تظهر انزياحاً عن القياسات الطبيعية المتداولة عن الزواج المتكافيء، فثمة فتيات يحددن في الشخص المطلوب للزواج: "كبير في السن وغني ولا بأس ان يكون مطلّقاً وله أولاد"!! الشبان يحددون أيضاً في المطلوبة للزواج ان تكون "غنية وتتمتع بسمعة حسنة من دون الإشارة الى العمر، ولا اعتراض إذا كانت مطلقة" وضمن هذا البعد "الإقتصادي" لعروض الزواج. من النادر ان تجد طلباً "طبيعياً" للزواج فيه تكافؤ العمر والمستوى الدراسي، والسبب واضح ومعلن، ففرص الزواج الطبيعي متاحة وكبيرة، ولا حاجة لاقتناصها من طريق اعلانات الزواج.
ومن بين الأسباب التي ضاعفت اعداد حالات الطلاق، سبب يندر ان يحدث مثيله في أي بقعة في العالم غير العراق، فآلاف الرجال المتزوجين ممن يتمكنون من الوصول الى "بلد آمن" يخططون لإلحاق عائلاتهم بهم بعد الإستقرار في "الوطن الجديد" وبما ان السلطات العراقية لا تمنح الزوجة إذناً بالسفر الى خارج البلاد إلا بموافقة خطية من الزوج المقيم في الخارج توضح أيضاً مكان إقامته ونوع عمله من خلال وثيقة تصدرها السفارة أو القنصلية العراقية، وبما أن الكثير من العراقيين المقيمين في الخارج يتشككون في تقديم هذه المعلومات الى السفارات، لذا فإن الحاجة أوجدت "أم الإختراعات"، ألا وهو اختراع طلب الزوجة المقيمة في العراق الطلاق من زوجها (الذي هجرها وتركها من دون معين)، وهو ما يتحقق لها قانوناً، لتتمكن من السفر بصحبة محرم، ولتتزوج من زوجها ثانية بعد الإلتحاق به في الخارج.
عشرات من العراقيين في الأردن، التحقت بهم زوجاتهم بحسب هذه الطريقة العجيبة "الطلاق من الزوج للإلتحاق به" وهم يقولون: "هل هناك في العالم استخدام حميم وعائلي للطلاق مثل هذا الذي ابتكره العراقيون؟".

2001: الهجرة حلّ يسعى إليه كثيرون
تعترف بها مؤسسات الدولة وترى انها "مشكلة خطيرة" غير انها ما ان تتولى بحث وسائل حلها تكتفي بـ"ذريعة مثلى" فتقول ان ظروف الحصار فاقمت البطالة، مشيرة إلى إن الشباب من حملة الشهادات الجامعية ممن يفترض كونهم روحاَ جديدة للطبقة المتوسطة(5)، يعملون في مهن "لا تناسب تحصيلهم الدراسي مما يولِّد خسائر كبيرة للإقتصاد الوطني" بحسب صحيفة "الإتحاد" الأسبوعية الصادرة في بغداد.
"لجنة الشؤون التجارية والإقتصادية" في المجلس الوطني العراقي (البرلمان) أعلنت عن "المقترحات الهادفة الى إنهاء مشكلة البطالة"، فيما نقلت مصادر في وزارة العمل والشؤون الإجتماعية ان تقديرات أولية كانت اعتمدتها الوزارة في قراءة البطالة وتفشيها بين شباب العراق، توصلت إلى إن نحو 45 في المئة من القادرين على العمل في العراق لا يجدون فرصة عمل، فيما ربطت وزارة التخطيط العجز الحكومي عن إيجاد حل بظروف الحصار التي أوقفت الكثير من المصانع في القطاعين العام والخاص، وقلّصت مستويات العمل في ميادين الوظيفة العامة، لافتة إلى إن تحسن فرص العمل مرتبط بإعادة العراق العمل بالخطط الخمسية، المتوقفة منذ الحرب العراقية – الايرانية.
من جهتها بدأت منظمات الطلبة والشباب في العراق تنفيذ مشروعات اقتصادية شجعت من خلالها أعداداً من الشباب، غير ان خططاً كهذه ظلت غير مثمرة لجهة التضخم الإقتصادي في العراق الذي يتصاعد وفق طفرات متواصلة ما جعل عوائد العمل في تلك المشروعات غير ذي جدوى، على رغم كونه يظل "أفضل" بالمقارنة في العمل داخل مؤسسات الدولة ومشاريعها الإقتصادية والخدمية.
مهندسون شباب وجامعيون من كل الإختصاصات تفننوا في إيجاد فرص عمل لا تحتاج دراسة أو شهادة جامعية، فكانت الأرصفة مكاناً مفضلاً لهم، يعرضون فيها مأكولات وملابس وسجائر وقطع غيار أدوات كهربائية منزلية وسيارات ومواد غذائية في أسواق: "الشورجة" و "علاوي جميلة" و "الباب الشرقي" و "البياع" و "الكاظمية" في بغداد فضلاً عن فرص عمل توفرها عقود بيع وشراء لكل شيء، فهم وسطاء في بيع السيارات والمنازل والأثاث، والحصول على أوراق رسمية، ووسطاء في صفقات المواد الغذائية، من المحافظات الى بغداد وشركاء في محلات تصليح لأجهزة ما زال يستخدمها العراقيون على رغم قِدَمها، ووسطاء في عمليات بيع وشراء العملة الصعبة وتحويلاتها، وشركاء في محلات بيع الكومبيوتر والأقراص المدمجة.
مهندس عراقي تحول الى التجارة مع الأردن وأسواق سورية ولبنان والإمارات، يصف تلك الأعمال بأنها "بطالة مقنعة" فهي لا توفر عائداً مالياً، ولا تسهم في تراكم خبرة عملية ناهيك عن كونها "إستنزافاً عقلياً" لمئات ألآلاف ممن حملوا شهادات جامعية كانت الآمال تحدوهم في إقامة حياة طيبة تتناسب مع معارفهم، مؤكداً ان معدل (2000 – 3000) دينار يحصل عليها الشاب من ساعات عمل يومية طويلة تمتد إلى 12 ساعة أحياناً لا تعني شيئاً فهي تعادل (دولار أو دولار ونصف)، وعائد كهذا لا يوفر إلا قوتاً يومياً لا اطمئنان لمستقبل معه ولا حياة آمنة.
وإذا كان هناك من يجد عملاً يومياً يعود عليه بقوته اليومي، فإن هناك من الشباب العراقي من لا يجد مثل هذا العمل أصلاً، وكان "التطوع" في "جيش القدس" الذي قالت عنه السلطات العراقية انه يتكون من ستة ملايين عراقي، فرصة للتعويض، فالشاب "المتطوع" يأخذ راتباً شهرياً قدره 30 ألف دينار خلال فترات التدريب المتواصلة نحو أربعة شهور، ولكن هذه الفرصة تظل موسمية ولا تمثل حلاً بعيد المدى، كالذي يوفره العمل في "فدائيي صدام" وفيه يُمنح "المتطوع" راتباً شهرياً يصل الى نحو 50 ألف دينار وهو ما يعادل خمسة أضعاف راتب الموظف الحكومي. 
وحيال ظروف أزمة كهذه تكون الهجرة حلّاً يسعى إليه الكثير من الشباب العراقي، وطرق الهجرة تتنوع فثمة الهجرة التي اتسعت في العامين الأخيرين 1999-2001 إلى الإمارات وقطر، ولكن الطريق الى الأردن ولاحقاً سورية هي طرق الهجرة الأولى والأكثر إستيعاباً لهجرة مرّ من خلالها نحو أربعة ملايين عراقي تركوا البلاد بعد كارثة حرب الخليج الثانية 1991، ومن العاصمتين العربيتين تبدأ هجرات لاحقة تنتهي في أحد بلدان اللجوء في أوروبا وأميركا وأستراليا ونيوزيلندا.
المهندس الزراعي حسين طه يتحدث عن ظروف عمل مهينة قضاها في فرن للخبز وفي مطعم للمأكولات السريعة بعد إنهائه الخدمة العسكرية، حتى توصّل إلى ان الهجرة حل لابد منه، وهو بعد أكثر من تجربة للعمل "تحايلاً" على قوانين العمل في الأردن التي تمنع غير الأردنيين من العمل، وبعد مساعدة أصدقاء وأقارب سبقوه الى الهجرة في أوروبا، يشير الى آمال قد تبدأ مع وصوله الى مكان آمن "متذكراً سنوات شبابه ما بين سن 23 – 30 عاماً وقد ضاعت في مكان يصفه "جعل الحياة جحيماً" ومع آهة عميقة يطلقها المترجم و الإقتصادي صالح مهدي الذي كان نال شهادة ماجستير في "اقتصاديات الدولة في الميدان الزراعي"، يشير إلى نوع من الهدوء والإحساس بالأمان مع قبوله "لاجئاً" وبدء إستعداداته للسفر الى الولايات المتحدة, لكنه مع صبره وجَلَده لا يخفي ان حياته لم تعد ذا معنى وانه مضطر للهجرة لأنها الحل الوحيد، وانه "أقبل عليها من أجل" أطفاله الأربعة ومستقبلهم.
في "سوق الجمعة" الذي يتوسط "ساحة العبدلي" وسط العاصمة الأردنية، شبان عراقيون يعرضون خدماتهم لمرافقة المتسوق وحمل ما يبتاعه في سلة كبيرة في مقابل ربع دينار أو كل ما تجود به يد صاحب البضاعة المشتراة، من بينهم كان موظف سابق عمل نحو 15 سنة في "المديرية العامة لتربية بغداد" والذي يقول ان أوقاته في عمّان وعمله فيها مريرة وابتعاده عن العائلة تزيدها حزناً، لكنه يشير الى انه يعوض عن ذلك بما يرسله من مال يحصل عليه ويخفف من معاناة العائلة مردداً مثلاً شعبياً عراقياً مفاده "ما الذي يجبرك على المر غير الذي أكثر مرارة منه".
في مقهى للإنترنت في عمّان يعمل محمد ابن الشاعر العراقي المعروف حسب الشيخ جعفر، وهو يرى في عمله فرصة لتطوير قدراته التقنية في مجال تقنية المعلومات على أمل ان يكون ذلك زاده في رحلة هجرة الى مكان بعيد.
صيف عمّان وقت عطلات المهاجرين العراقيين الذين يلتقون عوائلهم القادمة من بغداد، وفرحة اللقاء ليست للأشواق وحسب بل لمناقشة فرصة العمل في الخارج، وفرص الهجرة النهائية إن أمكن، حتى ان الهاجس المتعاظم للعراقيين في الهجرة بات ينتظم فيه الرجال والنسوة المتقدمون في العمر، فالكل يقول "بعنا كل شيء ونرغب في الوصول إلى مكان جديد".
أساتذة جامعيون قادمون من ليبيا ودول الخليج، ومهاجرون من أوروبا واستراليا والولايات المتحدة تكتظ بهم فنادق عمّان وشققها المفروشة مع عوائلهم القادمة من العراق، ولا حديث يعلو على حديث الهجرة ولمّ الشمل فيما يكون الحديث عن أمل في العودة الى الوطن حديثاً خافتاً بل يكاد يكون غير مسموع!!!
يتبع..................

هوامش
(1)صحيفة "الإتحاد" الأسبوعية الصادرة في بغداد 2001.
(2)علي عبد الأمير، صحيفة "الحياة" 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2001.
(3)علي عبد الأمير، صحيفة "الحياة" 12 كانون الأول/ديسمبر 2000
(4) علي عبد الأمير، صحيفة "الحياة" 30 تشرين الأول/إكتوبر 2001.
(5) علي عبد الأمير، صحيفة "الحياة" 28 آب/أغسطس 2001




مقالات متعلقة
  • الطبقة المتوسطة في العراق: حلم تهاوى!

  • مقالات متعلقة
  • أي طبقة متوسطة في عراق ما بعد 2003؟



  • اضف تعليقك 

    ألأسم: البريد:  
     

     

     

    Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

    Powered and Designed by ENANA.COM