بياتريس أوهانسيان وبيانو عند "الفجر"

تاريخ النشر       02/04/2018 06:00 AM


علي عبدالأمير عجام
ما إن تنتهي مقطوعة "الفجر" التي كتبتها عازفة البيانو والمؤلفة العراقية الأرمنية بياتريس أوهانسيان، حتى تبرز كلمة واحدة من السامع توجز جوهر المقطوعة وتأثيرها: مدهش(1).


القسم الأول من مقطوعة "الفجر": تأليف وعزف بياتريس أوهانسيان

إن الأمر ليس مجرد تقنية عالية في التعامل مع لوحة المفاتيح في الآلة التي أسرت ابنة بغداد، بل هي مسألة التعبير العميق التي لطالما كانت علامة على الموهبة الكبيرة لأوهانسيان ليس كعازفة بيانو وحسب بل بوصفها مؤلفة موسيقية أيضا. انها أيضا تقدم مثالا على ان الموسيقيين من دول الشرق ليسوا مجرد عازفين جيدين بل يمكن أان يكونوا مؤلفين محترمين لمقطوعات تقع في صلب نسيج الموسيقى "الكلاسيكية" الغربية.

وانطلاقا من هذا المدخل كان للراحلة أوهانسيان التي توفيت قبل فترة في الولايات المتحدة(2)، تأثيرها الفاعل في تعزيز الموسيقى الكلاسيكية الغربية في العراق فتقول "في الموسيقى الكلاسيكية الغربية ، كنت أول موسيقي عراقي يواجه الأوروبيين بطريقة محترفة"، وكانت محقةً تماما في قولها، خاصة عندما نعلم أن بياتريس ولدت فيما كان العراق بدأ للتو اهتماماً عميقاً في فنون العالم الغربي وثقافته.

القسم الثاني من مقطوعة "الفجر"

كانت في المدرسة الابتدائية عندما تم انشاء معهد الفنون الجميلة في عام 1936، وتقدمت بطلب للانضمام إليه في وقت لاحق، ورفض طلبها لأنها كانت صغيرة جدا "كانت شروط القبول في المعهد تقضي بأن يكون الطالب حائزاً على شهادة الدراسة الإبتدائية، وأن لا يقل عمره عن 13 سنة.
هنا تقول بياتريس: دخلتُ إلى المقابلة أمام لجنة المعهد المكوَّنة من الأساتذة الشريف محي الدين حيدر، مدير المعهد، وحنا بطرس، معاون المدير، وأستاذ البيانو الروماني جوليان هرتز. قدّمني الأستاذ حنا واصفاً إياي بـ "شوبان الموهبة المبكرة" معزِّزاً طلب إنتمائي للمعهد، كوني موهوبة في العزف. قدمتُ عدداً من القطع والتمارين أمام اللجنة بشكل جيد، فنالت إستحسانها. لكن اللجنة وجدت عائقاً أمامي لقبولي في المعهد بسبب صغر السن(11عاماً)، وكوني ما أزال تلميذة إبتدائية. وبتدخُّل تشجيعي من الأستاذ حنا بطرس، تم قبولي إستثناءً من شرط العمر. وهكذا بدأت الدراسة الفنية بالشكل العلمي الجيد على يد الأستاذ الروماني جوليان هرتز، وتخرجتُ في العام 1944، بدبلوم فن عالٍ بدرحة إمتياز".
وقبل الثانية عشرة من العمر كانت الصغيرة اوهانسيان تقدم حفلات أسبوعية في محطة إذاعة بغداد!

موسيقى وحرية
لا شيء يعبر عن حركة المرأة العراقية نحو الحرية والحقوق، مثل نشاط المرأة العراقية في مجال الموسيقى، حيث بالامكان اكتشاف عشرات المغنيات والموسيقييات في العراق للفترة من الأربعينيات حتى الثمانينيات من القرن الماضي. نساء موهوبات لم يعكس نشاطهن الفني مجرد جوانب الحرية والمساواة ولكن أيضا كان يعكس جانبا من عملية تحديث بلدهن. وانطلاقا من هذا فان بياتريس أوهانسيان المستنيرة تضيء لنا مسار امرأة عراقية تتطلع نحو الحرية والحقوق. فهي نشأت في ظروف عندما كانت الحكومة العراقية خلال العهد الملكي توفر المنح الدراسية لتعلم الفنون الأدائية، وهو ما سمح لها الدراسة في الأكاديمية الملكية للموسيقى بلندن. ومن هناك توجهت إلى نيويورك للدراسة في مدرسة جوليارد للموسيقى. أخيرا عادت إلى العراق في عام 1961 لتصبح العازف الرئيسي للبيانو في الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية.

بياتريس أوهانسيان أمام البيانو 1961

العراق والانتماء العراقي لم يكونا خيارا ثانيا لها رغم انها ولدت في بغداد لأبوين أرمنيين، فالأب والأم فرّا من الإبادة الجماعية للأرمن عندما كانا صغاراً. والدها كان عمل محاسبا في شركة النفط، وهو ما عنى أن تعيش العائلة بشكل جيد وسط تشجيع والدها وأشقائها لها في دراسة الموسيقى. من هذه النقطة اتخذت بياتريس البيانو كوسيلة للتعبير عن حياتها وبلدها.
واذ نتوقف كي نلقي نظرة على حياتها عندما زارت شقيقها في ولاية مينيسوتا الاميركية العام 1959. نجد عبارتها المؤثرة : "الجميع قال لي عليك البقاء في أميركا، ولكن صوت داخلي قال لي يجب أن اعود إلى العراق وتعليم أبناء بلدي على حب الموسيقى. الموسيقى الكلاسيكية كان للتو قد عرفت في العراق، وانها بحاجة إلى أاشخاص مثلي هناك للعمل على ازدهارها ".
في العام 1959 حزمت حقائبها على متن السفينة "كوين ماري" وأبحرت الى لندن، ومن ثم الى العراق.

بيانو في ليالي الصواريخ
الحدث الأكثر إثارة في حياة بياتريس، جاء في العام 1980، عندما كتبت أول مقطوعة موسيقية غربية بتأثير الحرب وهواجسها، فهي كانت تكتب عملها وتعزفه على ضوء الشموع بسبب فرض التعتيم ليلاً في الستة أشهر الأولى من الحرب العراقية الايرانية ، وتتآلف بياتريس مع الرقصات الخفية التي تمارسها أضواء الشموع. وما إن اكتملت المقطوعة، حتى تم توزيعها للأوركسترا، وعزفها، وبثها عبر التلفزيون.
نجاحها في تأليف المقطوعة تلك شجّعها على كتابة سبعة أعمال أخرى بين 1990 و 1994، حيث الحياة بدأت تضيق بسبب صواريخ "عاصفة الصحراء" والهجمات اللاحقة، لكن ذلك لم يكن قد أوصل الظروف حداً من السوء بحيث يدفعها هي وشقيقتها سيتا إلى مغادرة البلاد، بل استمرت باحياء حفلات موسيقية داخل البلاد وخارجها. وكان عرضها الفني الأخير في العراق حمله العام 1994، عندما شاركت للسنة الخامسة على التوالي، في مهرجان بابل الدولي. هناك، وجدت بياتريس أوهانسيان نفسها تعبر أمواجا من الزمن لتحط في واحد من المعابد البابلية وبدلا من العزف على البيانو كانت تعزف على القيثارة الذهبية العراقية القديمة أنغاما كوّنت مقطوعتها "مقدمة لحمورابي"، التي استلهمتها من أول واضع لشريعة قانونية في تاريخ البشرية: حمورابي.
في العام 1994 تبدو بياتريس في الاتجاه المناقض تماما لما اقدمت عليه في العام 1959، فهي اذا كانت رفضت البقاء في أميركا كي تلبي "نداء العودة العميق إلى العراق"، وجدت نفسها بعد 45 عاماً تصطحب شقيقتها للانتقال إلى الولايات المتحدة والعيش مع شقيقهما. بياتريس لم تكن قادرة على أن تحمل الكثير معها، فاخذت ما يعني لها ملامح من انجازها الانساني والفكري: برامج حفلاتها القديمة والميداليات والأوسمة والجوائز التي استحقتها عن أكثر من خمسين عاما من الموسيقى في وطنها، لكنها تركت وراءها صديقها المخلص: بيانو كبير من نوع "شتاينواي"، أودعته عند أناس تثق بهم على أمل استعادته يوماً ما.
في أميركا أصبحت نوعا من السفير الثقافي العراقي، وغالبا ما تمكنت من خلق صداقات حيث فشل الساسة، فعزفت في فرقة اوركسترالية خاصة بولاية مينيسوتا، وخبرت أناملها مفاتيح بيانوهات كثيرة، إالا إن الأشواق لم تخفت للبيانو خاصتها، وبدأت اتصالات مع أميركيين وعراقيين كي يسمحوا لها بنقل حياتها العراقية وقد اختصرت في بيانو مودع عند أصدقاء ببغداد. طالت الاتصالات وتعددت الاعتراضات، الا ان البيانو الذي كانت قديسة الموسيقى الرفيعة في بغداد قد أبدعت عليه أحلى الأنغام، بدأ رحلة الخروج من صمته كي يفرح ثانية بالأصابع الندية التي أغوته وداعبته كثيرا.
وفيما كنت أقول في حفل أقامته بواشنطن مؤسسات أميركية وعراقية بعد أيام على وفاة العازفة والمؤلفة الموسيقية : "بياتريس ...لإيمانك إلى الأبد بالعراق، لاستعدادك العالي بالتضحية، أرقدي بسلام فأنت كنز وطني للعراق، وكتب التاريخ والموسيقى العراقية ستخلدك".
وما إن انهيت كلمتي حتى أبلغني القنصل الثقافي في السفارة العراقية بواشنطن، د . هادي الخليلي بأن بيانو بياتريس أوهانسيان وصل من بغداد قبل أيام.. حينها كانت صاحبة "الفجر" ترقد في مقبرة، لا أصابعها رقّت على البيانو من جديد، ولا المفاتيح غنّت شوقها بعد انتظار.

فقرة من برنامجي "سبعة أيام" احتفاء بالراحلة أوهانسيان 2008

الطبقة المتوسطة و الجانب التنويري
وليس سراً أن تؤكد حياة الفنانة الراحلة، إن الطبقة المتوسطة الناشئة، هي الأرضية الحقيقية للجانب التنويري في الثقافة العراقية، تعود الحكاية بنا الى أزقة بغداد القديمة، ففي الربع الثاني من القرن الماضي وتحديداً في العام 1927، ازدانت دار السيد والسيدة، اوهانيسيان بطفلة جميلة، جاءت بعد ابنهما البكر "آرشاه" وتم تعميدها باسم "بياتريس".
وكانت في المهد عندما تطرق إلى اذنيها صوت الموسيقى.. فأمها كانت تجيد العزف على آلة الماندولين وأبوها المحاسب في إحدى شركات النفط، وعازف "الفلوت" عضو في فرقة موسيقية من الهواة، وأخوها الذي يكبرها عدة سنوات أخذ يتجه هذا الاتجاه، وبدأ يتعلم العزف على آلة الكمان.
عاشت بياتريس طفولة سعيدة، في جو عائلي بهيج متوسط الحال، خاصة بعد مجيء الطفل الثالث، وكانت بنتاً سميت بـ "سيتا".(3)
ولأم بياتريس تأثير كبير على حياتها الموسيقية. إذ سرعان ما لاحظت مع زوجها، ميل الإبنة إلى الموسيقى وحفظها للاغاني والألحان بسرعة مذهلة.
وكانت قد أصبحت في الخامسة من عمرها وبدأ التفكير في ادخالها إلى المدرسة، وكان لا بد من الاختيار الجيد، إذ لابد ان يقع الاختيار على مدرسة تعطي حصصاً في الموسيقى إضافة إلى الحصص التعليمية الأخرى.. فوقع الاختيار على مدرسة "الراهبات" في منطقة "عقد النصارى" ببغداد.

أصل التنوير الفني والثقافي العراقي ليس مسلماً؟
لو وضعنا حساباً بسيطاً للتركيبة الأثنية في العراق حتى الربع الثاني من القرن الماضي، لكان أصحاب الأديان غير المسلمة في العراق لا يتجاوزون نسبة 15 بالمئة من السكان، لكننا لو راجعنا التركيبة الأثنية لمن لعب دوراً جوهرياً في التنوير الثقافي والاجتماعي، لكنت النسبة تتجاوز النصف، وتحديدا الموسيقى الشعبية العراقية (اليهود) والكلاسيكية الغربية (المسيجيون والأرمن على نحو خاص)، وحال بياتريس أوهانسيان جاء متصلاً مع المعنى الأخير، فقد أخذتها الأم من يدها، ووقفت أمام الأم الكبيرة (المديرة الراهبة)، ترجوها في أان تكون ابنتها ضمن الطالبات اللواتي يتلقين الدروس الموسيقية، وبعد اطلاع الراهبات على اذنها الموسيقية المرهفة تم قبولها، وكانت أصغر طفلة تقبل في حصة الموسيقى.
وبدأت بياتريس، وهي طفلة في الخامسة من عمرها، تتعلم دروس العزف على آلة البيانو، الآلة التي سترافقها في رحلة عمرها الفني.
وبعد ثلاث سنوات، وبعد أن رأى الوالدان تقدم ابنتهما السريع في العزف وشدة ميلها إلى هذه الآلة، قررا أن يشتريا لها آلة مهما كلّفهما الأمر، وبعد بحث طويل، سمعا بوجود الآلة في أحد المحال، فاشترياها بمبلغ ثلاثين ديناراً. وهو مبلغ ضخم بحساب تلك الأيام.
ولا يمكن وصف سعادة بياتريس عندما رأت البيانو يدخل الدار ويأخذ مكاناً بارزاً فيها. بامكانها الآن أن تحضر دروسها الموسيقية في البيت، وتقوم بالتمارين وقتما تشاء.

الأستاذة
تعتبر أربعينيات القرن الماضي (4) من التواريخ اللامعة في مسيرة معهد الفنون الجميلة، أو ورشة الحداثة في الثقافة العراقية (5)، فلقد تخرج فيه خيرة الطلبة الذين صاروا أسماء لامعة في الفن أو في نواحي الحياة الأخرى، فالعوائل البغدادية كانت ترسل أبناءها وبناتها إلى المعهد لتعلم الموسيقى. وبين الطلبة كانت توجد سيدات متزوجات يذهبن إلى المعهد مع أطفالهن، وصار ممكناً أن تلتقي أطباء وجراحين مشهورين، كانوا من ألمع الطلبة في الموسيقى.
أولئك تتذكرهم بياتريس واحداً واحداً.. وتعتقد انهم لو اكملوا طريق الفن، لكانوا من أكثر فناني العراق شهرة وعطاء.
كانت الدراسة في المعهد مساء وكانت البناية تقع في "عقد النصارى"، وبعد أشهر قليلة من انتماء بياتريس إليه انتقلت إلى منطقة "البتاوين" وفي ذلك الزمان، لم تكن وسائط النقل متوفرة، ومعظم الشوارع في بغداد لم تكن مبلطة، فكانت الطفلة مضطرة أن تذهب وتأتي مشياً على قدميها في أكثر الأيام تحت وابل المطر وبرد الشتاء.. كانت ليالي الشتاء القاسية ببغداد، بمثابة المدرسة التي سترفع اسم بياتريس في المحافل الدولية مستقبلاً.

في دار الإذاعة العراقية: العمل المؤسساتي
"الضوء الأحمر يعني أن تكوني مستعدة، الضوء الأخضر يعني أن تبدأي بالعزف"، هي تعليمات المخرج للطفلة بياتريس أوهانيسيان، عندما بدأت تعزف من "دار الإذاعة العراقية" لأول مرة.
جاء طلب إلى معهد الفنون الجميلة، بتقديم ألمع الطلبة فيه بعض المعزوفات من دار الإذاعة ولم يتردد أستاذها جوليان هيرتز من تقديمها، وكان البث حياً.
صعد إلى الأثير، صوت آلة البيانو وهي تعزف بعض المقطوعات لشوبان وبيتهوفن من أداء طفلة تدعى بياتريس أوهانسيان، التي كانت ترتجف من قمة رأسها إلى أخمص قدميها من الخوف والرهبة داخل الاستوديو، عندما كانت بانتظار الضوء الأحمر والأخضر فيما وجوه المخرجين ومهندسي الصوت ومساعديهم تبحلق فيها من وراء الزجاج السميك(6).
في السنة الدراسية 1946-1947 تخرجت الطالبة المجتهدة والعازفة الشابة، من معهد الفنون الجميلة بدرجة امتياز، وتعينت معيدة في المعهد نفسه لتدريس العزف على آلة البيانو.
خارج نطاق الحفلات الصغيرة التي كانت تقام في أروقة المعهد، وخارج نطاق ما قدمت من دار الإذاعة العراقية، لم يسبق لبياتريس أوهانسيان أن وقفت أمام الجمهور في حفلة رسمية. جاءتها دعوى من المعهد الثقافي البريطاني في بغداد لتقديم حفلة موسيقية لمدة ساعتين، ولم تتردد، فهي فرصتها لتختبر نفسها. كانت قاعدة المعهد فسيحة، لكنها اكتظت بالجمهور العراقي والأجنبي.
وبكل ثقة بدأت أناملها الطرية الرشيقة تتحرك على المفاتيح، منتزعة منها ألحاناً لم يصدق الجمهور إنها تصدر عن أنامل شابة عراقية تقف أمامهم أول مرة.

مصادر:
(1)النص مكتوب اصلا بالانجليزية وقدم خلال احتفاء اقامته الملحقية الثقافية العراقية بواشنطن تكريما للراحلة العام 2008.
(2)توفيت أوهانسيان في 17 تموز/يوليو 2008.
(3)و(4) مجلة "الإذاعة والتلفزيون" البغدادية آذار/مارس 1975.
(5)علي عبد الأمير، كتاب"رقصة الفستان الأحمر الأخيرة" الفصل الخاص بمعهد الفنون الجميلة والموسيقيان المؤسسان، حنا بطرس والشريف محي الدين حيدر.
(6)سجلات دار الاذاعة العراقية من بغداد، طفلة تدعى بياتريس أوهانسيان عزفت الكثير من المقطوعات لكبار المؤلفين ما بين عامي 1941-1942.






 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM