"يا ليته يعلم" للمطربة فايا يونان: الشعر بغدادي والصوت شامي والهوى أندلسي

تاريخ النشر       13/04/2018 06:00 AM


علي عبد الأمير*
حتى في سنوات تأسيسها الأول، كان لبغداد وقعها الساحر، حد إنها غيّرت لسان الشاعر المولود فيها علي بن الجهم 803 ميلادية، من أصوله البدوية الخشنة إلى عذب الكلام ورقيق المشاعر والصور، فهو صاحب القصيدة الشهيرة التي تبدو ملازمة لبغداد في وصف انوثتها ونعومتها كمدينة، بل صارت القصيدة تلك من "أرقّ الشعر و أعذبه... يقول مطلعها: عيون المها بين الرُّصافة و الجسر/ جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري"(1).

ومن شعر عليّ الرقيق قصيدته "أبلغ أخانا":
أَبلِغ أَخانا تَوَلّى اللَهُ صُحبَتَهُأَنّي وَإِن كُنتُ لا أَلقاهُ أَلقاهُ
وَأَنَّ طَرفِيَ مَوصولٌ بِرُؤيَتِهِوَإِن تَباعَدَ عَن مَثوايَ مَثواهُ
اللَهُ يَعلَمُ أَنّي لَستُ أَذكُرُهُ وَكَيفَ أَذكُرُهُ إِذ لَستُ أَنساهُ(2)

فايا يونان (الصورة من صفحتها على الفيسبوك)

وبحسب جدية تبدو "غريبة" على صوت غنائي شاب، وضعت المطربة السورية الأصل المهاجرة إلى السويد، فايا يونان، نصا مقابلا "تصرفت فيه" بالنص الأصلي الذي وضعه البغدادي بن الجهم:
أبلغ عزيزًاً في ثنايا القلب منزله أنى وإن كنت لا ألقاه ألقاه
وإن طرفي موصول برؤيته وإن تباعد عن سكناي سكناه
يا ليته يعلم أنى لست أذكره وكيف أذكره إذ لست أنساه
يا من توهم أنى لست أذكره والله يعلم أنى لست أنساه
إن غاب عنى فالروح مسكنه من يسكن الروح كيف القلب ينساه

وقبل الذهاب إلى مراجعة اللحن والأداء، نبدأ برجاحة هذا التصرف في النص، فهو عاظم الجانب "العاطفي" مزيحا عنه جانب "الأخوانيات"، ليغدو نصاً في المحبة والوله والاشتياق التام.



هذه الرجاحة في التصرف بالنص الشعري وجعله أقرب إلى الغناء، كثّفتها المطرية يونان بلحن جميل ذهب ليس إلى مقاربة النص بتركيبة نغمية رقيقة تشبهه، بل بقالب نغمي يبدو قديما، لكنه حافل بالرشاقة والإيحاء الغني حد إنه بدا لحنا عصريا من أيامنا هذه. هو قالب أقرب إلى الموشح الأندلسي الرشيق الرقيق، ولكن بسرعة أعلى من المعتاد (يحب الأمر هنا لتوزيع موفق تولاه ريان الهبر) ليبدو مناسبا لأيام يونان وجيلها، دون أن يفقد النغم أصالته الموسيقية وكلامه المهذب الرقيق.
هذه أغنية "عربية" النغم والشعر والصوت، نادرة حقا في أيامنا، فهي حفلت بأداء فيه الكثير من التلقائية فلا تكلّف في الصوت ولا زيادة في التعبير عن العواطف.
كل شيء بميزانه الطبيعي في عمل غنائي يستوجب منا فرحاً مستحقاً.

(1) د فاروق مواسي، مع علي بن الجَهْم والحكاية الطريفة، موقع "ديوان العرب".
(2)الموسوعة العالمية للشعر العربي.



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM