تحولات النغم.. الصوت الموسيقي حين يكون مرئياً

تاريخ النشر       06/03/2019 06:00 AM


علي عبد الأمير

في فيلم الرسوم المتحركة Sing 2016 القائم على فكرة مسابقة غنائية في مدينة خيالية أهلها من الحيوانات بكبيرها وصغيرها، يختتم المخرج غارث جينيننغز مشاهده الجميلة مع المتسابقة الأخيرة الفيلة الشابة (مينا) صاحبة الصوت الغنائي المتعدد الطبقات، ولكنها الخجول التي تخاف الظهور على المسرح التي تتمكن أخيرا من التعبير عن نفسها فتطلق لصوتها العنان، مغنية لحناً من السول بعنوان Don't You Worry 'bout A Thing



وفي تعقب الصوت الأنثوي الحقيقي المؤدي للأغنية، نجده عائداً للمغنية الجميلة الحضور والملامح توري كيللي. يا له من صوت ويا له من حضور أنيق، لا سيما ان الأغنية المصورة التي تضمنها فيديو بسيط خال من أي بهرجة، جاءت لتحتفي بمعالم من الفيلم وشخصياته عبر عمل غرافيكي متحرك أنيق.



ومن مزيج الصوت والأثر الصوري المتحرك بفاعلية وأناقة نستعيد معنى جملة بدت أشبه بالنداء الغريب: "الصوت عليه أن يكون مرئيا" وكتبتها ضمن مقال عن سطوة عصر "الفيديو كليب" في مجلة "فنون" البغدادية عام 1984.

مشهد للمغنية توري كيللي من فيديو الأغنية

أحسن فريق الفيلم اختيار الأغنيات وتوليفها، مثلما أبدع في توليفها الثنائي هيلين ز. ألتنباخ وكريستوفر اندرسن بازولي، وحقق في الأغنية الأخيرة أكثر من ضربة لجهة تقديم مزيج نادر: غناء جميل وعميق في فيلم رسوم متحركة ظريف.
ويمثل التدقيق عن المصدر الأصلي للأغنية الوجه الثالث لها، فعنصر الأصالة في لحنها وكلمها يستوجب وجود اسم مؤثر في النغم المعاصر، وهو ما تكتشفه لاحقاً، فالأغنية الأصلية هي للمغني الشهير ستيفي وندر، ومن اسطوانته "رؤى داخلية" Innervisions الصادرة عام 1973 التي ضمت أغنيات لا تقل روعة عن تلك التي شكات جوهر حديثنا، فثمة "أرض عالية" التي تمزج الإيقاع بالصوت الغنائي المؤثر والمعاني الفكرية العميقة.




الضرير الذي يغني الحب والامل
وستيفي وندر مغنِّي البوب الضرير، كان قد عرف بمزج الموسيقى مع السياسة ضمن منطقة مشتركة عمادها فكرة التضامن الانساني، وهو المعنى الذي كان تميزت به مشاركة ستيفي وندر في مناسبات سياسية عدة، منها مشاركته في المجلس العام للأمم المتحدة أيار 1985 لإسهامه الموسيقي المتميز في إستنكار سياسة النظام العنصري في جنوب إفريقيا، وتكريمه من قبل اللجنة الخاصة ضد السياسة العنصرية لمناسبة ذكرى ميلاده الـثلاثين، وحيث احتفى الديبلوماسيون بالمغني وامتدحه السكرتير العام للأمم المتحدة (دي كويار حينها) في رسالة تحية خاصة بوصفه: "فناناً بضمير اجتماعي وبدعوة انسانية عميقة".
بدأ وندر مشواره عبر الحرمان، وكبرت موهبته في بحثه عبر سجل من سبقوه من مغني ذلك التراث الضخم لموسيقى الزنوج الأميركيين، واجتاز "ظلمته" القوية عبر ما خلقه من تأملات موسيقية، "أبصر" عبرها العديد من الحالات الإنسانية، وجسدها في نمط موسيقي متميز، واستطاع ان يكتسب ملامح التطور في غاية التأني، فهو لا يتأثر بالصرعات الحديثة، فهو الشاعر الرقيق في كتابة الأغنية، الملحن العميق الذي يؤلف في ألوان: البلوز، السول، البوب واسلوب الأغنية في البحر الكاريبي "الريغي". كما انه العازف البارع على البيانو، وعيون أصابعه تستدل الأماكن المؤثرة في المفاتيح.
هو باختصار عالم الأغنية المتكامل، صوته فيه صدى لحزن عميق وعبر لحنه يحاول ان ينسجم مع مفرداته التي تشكل صورة يتأملها، فيختار عناوين مدهشة لمجموعاته الغنائية فمن "الرؤى الداخلية" الى عنوان جميل آخر "رحلة خلال الحياة السرية للنباتات"، "أشد قيظاً من تموز"، "حوض الماء الموسيقي" وإنتهاءً بمجموعة الحانه في فيلم " إمرأة الرداء الأحمر" للمخرج جين وايلدر في العام 1984 والتي فاز عنها بجائزة اوسكار لأفضل "أغنية في فيلم سينمائي".

الرؤى العميقة في الغناء
في مجموعته الغنائية "الرؤى الداخلية" ترجم المغني كل "الرؤى" التي تستوطن رأسه، فهو غالباً ما كان يسترسل في خلفية بسيطة من ضربات على الغيتار لكي يرسم خطوط حياة، ومن ثم يضخ السمع بإستمتاع بالغ لإيقاعها الحي. انه يمزج الأصوات الحقيقة والمؤثرات بالألحان كي يظهر صورة حية لمدينة صاخبة كنيويورك، انه يعترض على نمط حياة تسلب كل أثر انساني، فهناك ضجيج سيارات منطلقة وأصوات مارة عند ناحية الشارع وسيارة شرطة يصدر عنها صوت قوي ينادي على شخص ضمن المارة يتهمه بحادث لا يعرف عنه شيئاً، ووسط كل هذا الإضطراب يظهر صوت المغني ثانية ويصرخ ضد "حياة تستهلكها المدينة".
وفي مجموعته "رحلة خلال الحياة السرية للنباتات" أقام ستيفي وندر مهرجاناً للأغصان والورد وقدمها بكل القوة التي تجيء بها: قوة الحياة. انه يقيم معها علاقة حب تنمو مع كل صباح عبر نافذته، حيث "يرى" زهرة تطلع اليه جميلة توعده بالمحبة الدائمة، فيض حياة كانت أنغام هذه المجموعة الغنائية، تسمو بمشاعر الإنسان على إيقاعات "خضراء".



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM