مقالات  



عطرُ يديك الذي أبهج التراب

ِعلي عبد الامير

تاريخ النشر       20/03/2019 06:00 AM



إلى أخي القتيل قاسم عبد الأمير عجام*

في كل آذار، تهب فيه نسائم العطر هنا. بعد رحيلك كنت أستعيد كم تعبت يداك في الورد، كم خفقتا في الطين، كم انتظرتا في الجوري؟ وكم غنتا في الجيرانيوم؟ وكم علمتنا مؤاخاة البراعم والفراشات والمياسم، وكم اهدتنا عطر الياسمين؟
اتذكر كم أثنيت عليّ حين أهديتك "واجباً خارجياً" في مادة العلوم، نلت عليه درجةً كاملة وثناءً من استاذ المادة ومدير المدرسة الذي طلب مني ايداع الدفتر في أرشيف متوسطة المعتصم، لكنني اشترطت عليه أولا أن أريك الدفتر المعطر بما حببتني إليه وجعلتني ضعيفاً حيال رقّته. وكان دفتراً من 100 صفحة جففت فيه خمسين نوعاً من أوراق النباتات، وتوقفت يومها عند عنايتي بشروحي "الشعرية" لأوراق الزهور: القرنفل، الروز، الياسمين، الجهنمي، الجاردينيا، الجعفري، حلق السبع والنباتات العطرية التي تزهو فواحة في ليالي بغداد: الشبوي، العطرة والياس وغيرها الكثير الكثير من أفانين الورد في بلادنا البهية.

قاسم عبد الأمير عجام وسط حدائق كلية الزراعة ببغداد 1964

دفتر من أوراق الورد والزهور بين يديك، هو ما جعلك هانئا وغمرك بسعادة جعلتك تقفز إلى رف كتب التراث في مكتبتك العامرة، وقلت لي وأنت تحمل كتاباً في تاريخ الرحلات الى العراق: اقرأ من هنا... وفيه ما يرويه تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم التنوفي كيف انه وجد في بغداد أسواقا للزهور والرياحين والطيب، وكيف كان العشاق يظهرون في تبادل الهدايا بالزهور كثيراً من الرقة وسمو الذوق، فترسل المحبوبة باقة من الورد، وكان بعض العشاق من الشعراء يلفون باقات ورودهم بمنديل غالي الثمن مطرز بأبيات من الشعر.
اليوم، يا نديم الورد وصنو العطور الزكية، يا من رقّت يداه في التراب وأفنى عمره في الحقول محارباً الجفاف والملوحة، مثلما أفنى عمره في ورود المعرفة وشجر الكتابة واخضرار العقل والروح، كما في كل آذار، في كل تلويحة ربيع، أجدد الثناء على نعناع راحتيك، وأنتمي مجدداً لغرسك الجميل.

*اغتيل في بابل 17/5/2004 يوم كان يشغل منصب مدير دار الشؤون الثقافية - وزارة الثقافة.  



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM