نالباريز: نسيم آخر الصيف في مثلث الموت الرهيب

تاريخ النشر       15/04/2019 06:00 AM


علي عبد الأمير

إلى سيف سهيل

من عربت في جنوب شرقي السليمانية إلى ناحية سيد صادق ومنها إلى نالباريز وصولاً إلى بنجوين، ذلك كان الطريق إلى محطة موت رهيبة أخرى في الحرب عشتها في آخر أيام صيف 1983، ومثلّها الهجوم الإيراني على بنجوين، المدينة الكردية العراقية. 

كان لواءنا (المشاة الخامس) منفتحا في منطقة بين عربت وسيد صادق، بوصفه احتياطا تحت أمرة القيادة العامة للقوات المسلحة، وبسبب ضعف قوة الوحدات المتوزعة على منطقة بنجوين والمخافر الحدودية، فهي بمعظمها وحدات من شرطة الحدود قبل أن يتم تحويلها إلى ألوية مشاة قتالية، فقد اندفعت القوات الإيرانية إلى داخل الحدود العراقية وسيطرت على مناطق كثيرة حول بنجوين التي صارت منطقة مفضّلة للقذائف العراقية والإيرانية على حد سواء مما جعلها كمنطقة سكنية شبه مدمرة بعد أن كانت قد اخليت من سكانها.

صدرت الأوامر بتحركنا شمالاً نحو نالباريز قبيل اتخاذ موضع دفاعي في سهل بنجوين. ونالباريز حكاية جمال طبيعية لجهة كونها منطقة منفتحة وسط تلال تستند على مرتفعات أعلى وكالعادة ثمة جدول عامر بمياه نقية صافية يتوسطها.



في الليلة الأولى هالني مشهد ايقاف السيطرات العسكرية والحزبية لمجموعة من الجنود المنسحبين من بنجوين هرباً من الموت وبعد تدمير كبير لحق بوحداتهم. تم صفّهم على جدار آمرية وحدة عسكرية كانت مسؤولة عن أمن المنطقة. ابتعدت على الفور من ذلك المشهد المرعب، فنهاية أولئك الحالمين بالنجاة باتت معروفة لفرط تكرارها بعد الهزائم التي تعرضت لها وحدات الجيش منذ الانهيار الجماعي لوحدات الجيش والجيش الشعبي في معارك ديزفول داخل الاراضي الايرانية في نيسان/إبريل 1982، فأما الموت اعداما في ساحة المعركة، أو الموت في معسكرات خاصة لاحقاً وبعد اجراءات تختلط فيها الحقيقة بالفنتازيا، فقد يصدر فجأة قرار بالعفو فينجو الهارب أو "ألمتخاذل"، وقد لا يصدر فتحصدهم الطلقات.

تحركت وحدتنا نحو سهل بنجوين، وتوزعن على ثلاث مرتفعات صغيرة تطل على السهل. منحني ضابط الرصد فرصة رؤية العجلات الإيرانية وهي تدخل تباعا من مضيق نحو المدينة المدمرة عبر ناظوره قبل أن يبدأ باعطاء الأبعاد إلى وحدات المدفعية لضرب تلك المنطقة، وهو ما تحقق بعد دقائق، لكن ذلك لم يوقف الآليات ولا الجنود في الجانب الإيراني من التحرك السريع والتوغل داخل الأراضي العراقية، وضرب مواقعنا بالهاونات الثقيلة وقذائف مدفع 106 ملم المحمول على العجلات الصغيرة.

أخطأت معظم تلك القذائف مواقع فوجنا الأول رغم تواصل القصف عبر موجات تشتد أحيانا وتخفت مرة أخرى حتى أول الليل حين بدأ فصل حقيقي من الجحيم، فجنود الاستطلاع اكتشفوا موجات من الجنود الإيرانيين تتقدم عبر السهل صعوداً نحو مواقعنا، لتبدأ كل الأسلحة قصيرة المدى عملها: الهاونات، الدوشكات الأحادية والمزدوجة، بل حتى الاسلحة الخفيفة التي استخدمها جنود فصائلنا المتقدمة. استمرت حفلة النار من السابعة مساءً حتى منتصف الليل تقريبا. 

في أول الفجر، بدأ أخلاء قتلانا وجرحانا واوكلت لي مهمة نقلاء إلى "مركز الشهداء والجرحى" الذين انفتح في نالباريز، وهي مهمة بائسة على أي حال، كلها جراحات واسى وأجساد ملقاة بعبث على ارضية عجلات الحمل التي انطلقت مسرعة قبل أن تبدأ موجة قصف جديدة.

قبل أن أغادر مقر فوجنا ألقيت نظرة على مقتربات مواضعنا حيث بالأمكان تمييز عشرات الجثث للجنود الإيرانيين القتلى في محاولتهم الهجومية التي كانت ستكون قاتلة لنا لولا التحذير المبكر لجنود الاستطلاع والربايا المتقدمة، والذين كانوا الأكثر تضحية أيضاً، فقد تركزت الخسائر بين صفوفهم حين كانوا خط الصدّ الأول. 

وللقصة بقية 
 



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM