عبدالأمير الصراف.. ماذا تفعل "الأجنحة السحرية" لمجتمع ثقيل؟

تاريخ النشر       01/06/2020 06:00 AM


علي عبدالأمير عجام

كانت سنواته الأولى ضمن مرحلة تكاد فيها البلاد تخرج إلى نور العصور الحديثة، ومن هنا وجد عبدالأمير الصراف المولود في كربلاء العام 1935 الطريق سالكة رغم الطابع المحافظ لبيئته نحو قسم الموسيقى العربية بمعهد الفنون الجميلة ببغداد ليتخرج منه يوم كان القسم ممراً لمن شكلوا حداثة الفنون في العراق المعاصر.

الصرّاف المأسور بالتحديث النغمي والفكري رحل قبل أيام في تركيا بعيداً عن بلاده التي أوصدت أمامه الأبواب بكثير من "الصخب والعنف".

لم تتوقف أحلام صاحب أول سيمفونية عراقية عند هذا الحد من المعرفة بفنون الموسيقى، فغادر الى بلغاريا ليتحصل على شهادة الماجستير من قسم التأليف التابع لأكاديمية الموسيقى البلغارية. وبعد تخرجه تخصص في الفولكلور الموسيقي الشعبي، ليشغل بعد عودته إلى البلاد موقع المؤلف الموسيقي لـ "الفرقة القومية للفنون الشعبية" فوضع موسيقى رقصاتها الشهيرة "عنتر وعبلة"، "حمورابي"، "من حياة الريف"، "ليلة غجرية" و"المرأة العراقية"، دون أن تتوقف حماسته عند هذا الحد في إدخال المعرفة الموسيقية إلى الموروث، فساهم في دراسات ميدانية منها "السلالم الموسيقية في المقامات العربية والمقام العراقي"، وأخرى عن فن "الهيوة" كنغم وإيقاع شعبي راقص في البصرة.

عبدالأمير الصراف اثناء دراسته الموسيقى في بلغاريا

ولأنه تحصل على معرفة موسيقية كلاسيكية ثرية فقد برع في التأليف للأوركسترا، حافراً اسمه بقوة كاول عراقي يكتب باليه  هو "الأجنحة السحرية" الذي عاشته معه بغداد المعاصرة (سبعينيات القرن الماضي) بعضاً من أحلامها الذهبية القديمة، فالعمل مستوحى من حكايات "ألف ليلة وليلة" وقدّمته "مدرسة الموسيقى والباليه" العراقية على مسرح قاعة الشعب ببغداد العام 1974.

في تلك الأيام شكل عبدالأمير الصراف ظاهرة في الموسيقى لجدية، فقبل الباليه كتب أول سيمفونية عراقية حملت عنوان"التأميم"، تاثراً بلحظة بدت "تاريخية" حينها، ومثّلها قرار تأميم النفط العراقي 1972. ولمنح ذلك العمل الرائد وقعه المميز، اعادت الفرقة السيمفونية الوطنية العراقية تقديمه بعد عشرين عاماً بعنوان "السيمفونية العراقية".

وكان الأثر الأقوى حضوراً للصرّاف في السينما العراقية، فعمل في جانبيها الوثائقي (التسجيلي) والروائي، ففي الأول، ثمة عمله البارز في فيلم "الأهوار" للمخرج قاسم حول، وأهمية موسيقى الفيلم تأتي ومن خلال ما قام به عبدالأمير الصراف بدراسة ميدانية خاصة للموسيقى الفولكلورية والأطوار الغنائية للجنوب العراق، ومناطق الأهوار على نحو خاص، لذا جاءت الموسيقى تلقائية منسجمة مع البيئة الثقافية والاجتماعية الغنية التي صورها الفيلم بنجاح لافت جعله إلى اليوم أفضل ما انجزته الفنون العراقية المرئية عن الأهوار.

اما في الجانب الثاني (الأفلام الروائية الطويلة) ثمة موسيقاه في "بيوت في ذلك الزقاق" لمخرج "الأهوار" ذاته، فضلاً عن موسيقى "الأسوار" للمخرج محمد شكري جميل الذي تعاون معه في الإدارة الموسيقية لفيلم "المسألة الكبرى" مع إن موسيقى الفيلم كانت لمؤلف بريطاني هو رون غودوين، وكانت مساهمة الصراف في توفير بعض الملامح النغمية المحلية العراقية ومساعدة المؤلف على تركيبها ضمن ثيمات الفيلم الأساسية.

وإلى جانب هذا، ثمة موسيقاه التصويرية في الفيلم التلفزيوني العراقي الشهير "البندول" للمخرج الراحل كارلو هارتيون.

لا ريادته النغمية "الكلاسيكية" ولا عمله في الأنغام "الشعبية" حفظتهما المؤسسة الثقافية العراقية الرسمية اليوم، بل لا شيء من هذين الملمحين الجماليين في العراق اليوم، ولا في عراق الحروب والحصار، ناهيك عن كراهية النظام الحاكم بعد 2003 لأي جانب جمالي تحت عنوان عريض من القسوة والرفض لأي ملمح حداثوي في التاريخ الثقافي للبلاد.


 


 

 



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM