هامبورغر وجيمس براون في بغداد*

تاريخ النشر       05/07/2020 06:00 AM


علي عبدالأمير عجام

في العام 1970 إكتشفت ملمحا في بغداد قائما على معرفة الآخر والإنفتاح على إنجازاته، وهو ما يضمه "معرض بغداد الدولي"** من أجنحة دول من مختلف بقاع العالم، تعرض لمنجزات علمية وثقافية وسياحية. وأجمل مافي ذلك المعرض الذي كان يتحول حدثا إجتماعيا لكثير من العوائل البغدادية، كان الجانب الترفيهي المنفتح على موسيقى وعروض سيرك وأكلات جاهزة لم تكن العاصمة العراقية قد خبرتها على نحو واسع، وكان من بينها " الهامبورغر" برائحة نفاذة تأتي من عربات على جانب حدائق المعرض.



في تلك الايام اكتشفت لذة طعام جديدة والى جانبها الكثير من موسيقى البوب والبلوز تعزفها فرقة موسيقية غربية تتكون من شبان عراقيين كنت مأخوذا بالتطلع اليهم، الى طريقتهم في العزف، في نطقهم كلمات الاغاني بالانجليزية، الى ملابسهم وبالطبع الى تسريحات شعر طويل، دون ان أستطيع إخفاء مشاعر الحسد، فشعر عازف الغيتار الاول ناعم وطويل، وكذا الحال عند ضارب الطبول، بينما كان شعري أجعدا وأسود.
اللافت في مشهد الفرقة الموسيقية لا في إجادة الالحان الغربية السائدة، بل في الثنائيات الراقصة من شابات وشباب عراقيين، ثنائيات كانت تتحلق برشاقة أمام الفرقة في باحة بالطابق الثاني المفتوح من مدينة ألعاب صغيرة كانت ملحقة بالمعرض وتسمى" لونابارك المعرض"، أما المفاجأة التي تحلقت حولها، فكان غناء الفرقة لما أصبحت أبرز أغنيات الاميركي جيمس براون " sex machine "، ولم تتوقف المفاجأة عند ذاك بل في ان أجمل من كان يرقص صحبة تلك الاغنية فتاة عراقية في عمري تقريبا، ومعها كان شاب يبادلها حيوية الحركات الراقصة والغناء ايضا.
في عودتي الى بغداد بعد نحو إسبوع على السقوط المدوي لنظامها الرهيب، وتحديدا في الخامس عشر من نيسان 2003 ، وبعد نحو عشر سنوات من مغادرتي بغداد التي كانت لي أجمل مكان على الارض، جلت على الأمكنة التي أحببت وكونت جزءا من ثنايا روحي وهواجسي ورؤاي، وهذا الولع أخذني الى المكان الذي كان برائحة الهامبورغر وبايقاع "موسيقى السول" حسبما أبدعها جيمس براون، وصار اليوم مسورا بسياج كونكريتي عال ولا أبواب فيه، وتحوّل مستودعات لـ"شركة المعارض العراقية"، لكن بناياته مهدمة ويبدو ان قصفا رهيبا أنزل السقوف الضخمة على الأرض، وأحال البنايات ركاما. هالني ما رأيت، وان كان المشهد يتصل بمئات من مشاهد الإنهيارات التي صارت سمة العراق وايقاع حياته، وهالني أكثر ان " لونا بارك المعرض" صار مستودعا سريا لقذائف وأسلحة المخابرات التي يتصل مبناها بمعرض بغداد الدولي، ومع توسعات لم تتوقف لسطوة الجهاز الاقوى في البلاد، صار من الطبيعي ان تتراجع الملامح الانسانية في الجوار، ومنها "الجانب الترفيهي" لتصبح فضاءات اللهو والموسيقى وحدائق العشب الأخضر المندى، مستودعات أسلحة وأجهزة المخابرات، وكأن هذه النهاية توجز حكاية البلاد، حيث كانت الملامح المدينية والإنسانية تتراجع أمام عسكرة الحياة .
في لحظة بدا فيها رمل كثير في حنجرتي، وقفت أمام سياج عال لا باب فيه، سياج يحتضن فضاءات من ركام وخرائب، في تلك اللحظة مات فيّ المراهق الجوّاب المغامر المأسور بالمعرفة، وبرائحة الهامبورغر في حدائق كان يغمرها خريف بغداد بلطف لايبدو انني وانا ادخل خريف عمري في وارد ان استنشق عبيره ثانية.

*من كتابي "حنين بغدادي".
** الصورة لمدخل جانبي لمعرض بغداد الدولي وقد صارت بوابة للحطام أيار/ مايو 2003.



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM