نقد أدبي  



رعد عبدالقادر.. شاعر عاش حربين وشهد المآتم كله

تاريخ النشر       13/01/2022 06:00 AM


علي عبدالأمير عجام

تبدو الساعات الأخيرة في حياة الشاعر العراقي رعد عبد القادر أشبه بـ "مقطع أخير غامض في قصيدة ظل يكتبها طوال حياته. بل يبدو انه كتب هذا المقطع في أقصى درجات شاعريته واشدها إلتماعا واقترابا من اللانهائي واللامرئي"*.
فحين عادت زوجة الشاعر الهام عبد الكريم وهي قاصة وصحافية إلى البيت في حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر (الاثنين 13 كانون الثاني /يناير) بعد يوم عمل طويل وجدت باب البيت الخارجي مفتوحا بل ووجدت كل الأبواب والنوافذ في البيت مفتوحة أيضا على اتساعها، كانت الريح تعبث بالأشياء والستائر وقد بعثرت أوراق الشاعر الخاصة وظلت تدور بها من غرفة إلى غرفة، أما الشاعر نفسه فكان يجلس بكامل ملابسه على كرسي في إحدى الزوايا وكان يبدو كمن يتهيأ للخروج أو كمن عاد توا من الخارج، كان ما يزال في جسده بعض الدفء ولكنه لم يكن في كامل وعيه (ام لعله الوعي الأكمل) يبتسم ابتسامته الحيية وفي عينيه بقايا وميض. وكانت على مائدة المطبخ بقية مما تناوله صباحا، كسرة خبز وقطعة جبن وكوب شاي فارغ. 
يوصل الكاتب سعد هادي قصته الصحافية عن رحيل رعد عبد القادر "لم يعرف حتى الآن على وجه التحديد إلى أين ذهب رعد صباحا ولماذا عاد بهذه السرعة؟ فهناك دلائل عديدة على خروجه، ولا يعرف أحد أيضا لماذا قضى كل هذا الوقت قبل أن يخرج حتى فاجأته النوبة القلبية، لماذا فتح كل الأبواب والنوافذ وهل كانت لديه القدرة على ان يفعل ذلك، أسئلة عديدة تثار حول تلك الساعات التي ظل فيها وحيدا والتي كان يتملص فيها ببطء من قيوده الأرضية.بينما كان أصدقاؤه وزملاؤه بانتظاره في دار الشؤون الثقافية حيث كان يعمل".

الشاعر الراحل رعد عبدالقادر

ورعد عبد القادر الذي رحل عن اقل من 50 عاما يعد من أبرز الأصوات الشعرية التي ظهرت خلال السبعينيات وقد اصدر عددا من المجاميع الشعرية أولها ( رماد الأسئلة- 1978) وآخرها (صقر فوق رأسه شمس- 2002 ) كما إن لديه سبع مخطوطات شعرية ما تزال بانتظار الطبع، اثنتان لدى صديق له وخمس مع زوجته، كما عمل مديرا لتحرير مجلتي الأقلام وآفاق عربية وتولى مسؤولية الأمين العام لاتحاد الكتاب والأدباء في العراق.
الرحيل الفجائعي لعبد القادر هزّ أصدقاءه حتى من بين الذين كانوا خارج البلاد فكتب الشاعر كمال سبتي "كان شاعراً عاش حربين، وشهد المآتم كلها. كان شاعراً ولد في العراق عام 1953، ليتعلم تنفس التراجيديا وكتابتها.. ليموت قبل الخمسين.كتب في ديوانه: أوبرا الأميرة الضائعة: سأكتب عن الأرض وأحرر ميلادي وداعاً يا ملايين الأشجار/ وداعاً أيها الأصدقاء الوارثون/ أنا الفرحان، أتوسل بالوداع" وسأقول له وداعاً أيها الشاعر. سأقول وداعاً بالكلمات التي لا تستحي والدموع.. وداعاً أيها الصديق".


موت الشاعر والمشهد الذي يتكرر
يعاود الكاتب سعد هادي لاحقاً البحث في رحيل صديقه "يشبه بيت رعد عبد القادر من الداخل كتابا مفتوحا، كانت تلك ملاحظته هو وقد ذكرها أمامنا اكثر من مرة، جلسنا في صالة صغيرة تطل على باحة داخلية مفتوحة تدخل منها أشعة الشمس، باحة زجاجية فيها شجيرات صغيرة وأصص زهور، أشارت زوجته إلى الغرفة التي رحل فيها، أشارت إلى الأريكة التي استلقى عليها آخر مرة، قالت انه كان ينام عليها بعد أن يفرغ من كتابة قصائده، وقد كتب عليها قصيدته الأخيرة، قصيدة موته أيضا، لم يكن يجلس أمام منضدة ليكتب، كان يتمدد على الأريكة مثل تلميذ يؤدي واجبا مدرسيا ثم يغفو عليها بعد أن ينتهي من الكتابة.
زوجة الشاعر الراحل "ما تزال أيضا في حيرة أمام غموض الساعات الأخيرة في حياته، والسؤال الذي يعذبها: هل خرج أم لا والى أين ذهب وكيف عاد، لماذا لم يتصل بها؟ قالت:
ـ كان يتعذب بصمت دون أن يخبرني بشيء، بدأت الحالة لديه عام 1991 في ظل أجواء الحرب، انزوى في الصالة أثناء القصف وطلب مني أن اذهب مع ابننا الوحيد إلى غرفة أخرى، نام حيدر الذي كان في العاشرة، وحدست إن رعدا في وضع غير طبيعي، ذهبت إليه فوجدت اقرب إلى الموت، لم يتحدث عن مرضه من قبل، كان يخفي أشياء من هذا النوع، خجول حتى معي، ساعدته على ركوب السيارة، كان في غيبوبة وكان القصف شديدا، لم اكن اعرف مستشفى قريبة، أخذته إلى المستشفى الوحيدة التي اعرفها، مستشفى النعمان في الأعظمية، تخيلوا المسافة بين الغزالية (القريبة من أبي غريب) والاعظمية، في شوارع مظلمة وتحت القصف، أعطوه حبة تحت اللسان وقال له الطبيب إن حالته حرجة وعليه أن يجري فحصا عاما، لا أستطيع الآن أن اصف حالتي، كنت أفكر بالطفل الذي تركته وحيدا وبالموت والطريق الصعب وأشياء أخرى، كان حيدر ما يزال نائما حين عدنا واستمرت حالة رعد تتأرجح بين الحياة والموت منذ تلك الأيام، كانت إحدى قصائده تصف نعشا يخرج من البيت وقد وضع عليه غطاء عليه زهرة، المشهد نفسه تكرر وحين بحثت عن الغطاء وجدته، كان الشعر كل حياته، ولكنه كان متواضعا، قبل أيام من موته قال باعتداد لأول وآخر مرة: ستفهمون يوما إنكم كنتم تعيشون مع شاعر كبير. كان يكره المال، ورفض عرضاً بمبلغٍ مغرٍ لنشر كتاب له رغم حاجتنا..….. كان يحب الحياة وكان موسوسا بشأن صحته إلا انه كان يكره الأطباء والمستشفيات".
يكشف الكاتب هادي أيضا "ذهبت (زوجته) وجاءت برزمة من الدفاتر والأوراق، تلك هي تركة الشاعر إذن، سنكتشف بعد أيام إنها تضم 11 كتاباً غير منشور، أي إن ما تركه الشاعر يزيد عن ضعف ما نشره في حياته، كما سنكتشف وجود نسخ معدلة من المخطوطات تمت الإضافة والحذف منها وصولا إلى النسخ النهائية والتي منها هذه المختارات وقد أعدها د.حيدر سعيد وقاسم محمد عباس وهما من اقرب أصدقائه إليه في سنواته الأخيرة إنسانا ومثقفا، لتمثل رعدا في أوج نضجه. ولتمثله أيضا شاعرا ذا مشاغل متعددة، رمزية وصوفية وتاريخية واكثر من ذلك شاعرا غامر في اختراق أسوار الميثولوجيا البعيدة ليؤلف ميثولوجيا يومية يعيشها الإنسان العادي".
وفي عمل متأخر للشاعر عبد القادر (يحتمل أن تكون هذه القصيدة آخر قصيدة كتبها الشاعر الراحل كما يدل على ذلك تاريخ كتابتها الذي يسبق تاريخ رحيله بـ (25) يوما وتحديدا 19/12/2002 ) وحمل عنوان "باتجاهكِ حتى الموت" نقرأ ما بدا متطابقا مع مشهد موته:
نقاط التفتيش –هناك- على طول الطريق المؤدية إليك،
هناك سأكتبُ رسالةً إليكِ عن طول الانتظار.
لقد نظروا طويلاً في ورق النخلِ
وسلطوا مصابيحهم اليدوية على الوجوه في الريح.
حاولنا البقاء متماسكين.
يأتي صوتكِ من وراء زجاج نخلتكِ العجفاء، من وراء الظلام، 
هل عثروا على شيء؟
بقينا صامتين ننظرُ إلى صوت طائرك المذعور 
لقد دفعونا إلى الاعتراف، بماذا نعترفُ؟
انحرفت مشاعرنا، 
صار اكثرُ من واحدٍ يلعنكِ في الغربةِ أيتها الغريبة في غربة الحبِ
وانحرفت مشاعري باتجاهكِ حتى الموت.

حياة لا مرئية . . . تنتهي دائماً بفاجعة
ويكتب الشاعر- الناقد محمد مظلوم "منذ المجموعة الشعرية الأولى (مرايا الأسئلة - 1979) بدا الشاعر العراقي رعد عبدالقادر يسعى إلى الاشتغال على قصيدته بهدوء، هدوء ميزه بوضوح عن بقية أقرانه من بعض شعراء ما سمي جيل السبعينات: زاهر الجيزاني وخزعل الماحدي وكمال سبتي، الذين اتسمت تجاربهم بصخب واضح. الهدوء في تجربة رعد في مقابل الصخب في تجربة زملائه ممن ظلوا في العراق بعد هجرة زملائهم آخر السبعينات: هاشم شفيق وكاظم جهاد وشاكر لعيبي وسواهم، يتمثل في المستوى الجمالي والدلالي للقصيدة التي يصبو إلى كتابتها. وفي طبيعة إفصاحه عن تجربته، في وسط صاخب بسجالات غطت في غالب الأحيان على صوت القصيدة، وهي سمة أصبحت غير خافية في أية إعادة تقويم لتجربة شعراء السبعينات في العراق. 
وعبر مجموعاته اللاحقة الصادرة جميعها في بغداد (جوائز السنة الكبيسة - 1995) و(دع البلبل يتعجب - 1996) و(أوبرا الأميرة الضائعة - 2000) ترسخت هذه الطبيعة بالهدوء ذاته الذي بدأت فيه تجربة الشاعر. 
ويلفت مظلوم إلى ان طباعة مجموعة رعد عبد القادر الأخيرة (صقر فوق رأسه شمس) تمت على حساب الشاعر نفسه الذي سبق له أن أصدر مجموعاته الأربع عن وزارة الثقافة والإعلام في العراق، وهذه "تشير إلى أن قصيدة النثر لم تزل غير مقبولة لدى المؤسسة الثقافية في العراق حتى الآن! لكن اللافت في هذه القصائد، هي السعادة التي يقدمها رعد عبر قصائده، وهي وإن بدت سعادة تريد ترويض الراهن والتكيف معه لكنها في المجمل تنأى إلى مسافة واضحة عن نشيد التشكي، وحيرة العراقي في خياراته وتخييراته. الأمان والهدوء اللذان يطلبهما الشاعر في نومه (كما في قصيدة: أغنية لطائر البرق)، لا يستمران طويلاً هكذا. ففي المشهد اليومي مرارة يستشعر الشاعر طعمها في هذا الحشد من الأشياء التي تندرج على هواها من دون أن تكون له القدرة على تغييرها. إنه العجز الذي يحيله إلى مراقب بارع، تماماً كصقر يستهدي بالشمس التي فوقه في سبر غور العالم. لكنها شمس قد تزيد من كثافة الضوء المسلط على العالم بما يجعل العين تعشو وتدمع أحياناً".
ومن "أغنية لطائر البرق" ما يتطابق بين ما كان يراه الشاعر نهاية وشيكة له:
نم هادئاً 
دع النهاية مفتوحة 
وأغلق الباب جيداً، وإن قرعوا لا تفتحْ 
القصيدةُ قرب رأسك وقدح الماء 
وطائرُ البرق في نومك 
هل رأيتَ أحداً في الحديقة؟
وإن قرعوا لا تفتحْ 
دع النهاية مفتوحةً 
وأغلق الباب جيداً وإن قرعوا لا تفتحْ 
نَمْ هادئاً، هادئاً 
بأمان 

"أوبرا الأميرة الضائعة".. تجربة شعرية فريدة من بغداد
قد يكون الشاعر رعد عبدالقادر أكثر شعراء جيل السبعينات في العراق ممن لم يغادروا البلاد انشغالاً بالتجريب على النص ومقاربة لتحولات الوقائع العراقية بما يبقي لفن الشعر حضوره. وتأتي قصيدة رعد عبدالقادر المطولة والصادرة** في كتاب عن "دار الشؤون الثقافية العامة" في بغداد وحملت عنوان "أوبرا الأميرة الضائعة" لتؤكد سعيه الى تجريب ليس في الشكل الشعري فحسب انتقاله من قصيدة التفعيلة الى قصيدة النثر وانما في نقل الشعر الى المواجهة الداخلية بين اللغة والذات الانسانية بعد ان كان كتب قصائد انشغلت في الثمانينات بأصداء خارجية حضرت فيها بقوة وقائع الحرب العراقية - الإيرانية حتى وان ظلت قصائده مختلفة عن سائد شعري كان "يغني للنصر" ويغيب عنه الأثر الإنساني.

نذر الموت
في قصيدته التي جاءت في ثلاثة أقسام لا يخفي الشاعر رعد عبدالقادر حيرته بين نذر موت تكاد تصبح أكثر صراحة في الإعلان عن نفسها من الوقائع المعلنة وبين فكرة مجبولة بالأمل تؤكدها تفاصيل صغيرة تنهض من بين ركامات الخراب واليأس: "رياح قاسية دفعتني/ وظل الباب مفتوحاً، يتسرب منه الضوء والحلم". غير انه يدرك حيرته وهو منقذف بين فسحة الأمل والانكسار الذي تعليه الحقائق اليومية" "رسمت قفلاً ومفتاحاً / متداخلين في كل جدار وجسد"، ليصل الى مركز الذات بعد ان كان "آلافاً من البشر المتشابهين" وليصبح توحده سبيلاً الى وعي الوجود "غنيت لأرض التماثيل/ فخرجت من غنائي شمس".
واختيار رعد عبدالقادر الفانتازيا جاء متوافقاً مع ذخيرة من النقائض يلتم عليها جوهره الشعري، ولم تكن اختياراً استعراضياً بل كانت مبرراً للغرائبية التي انقذف اليها الشاعر حيث تدفق رؤاه فيما وقائعه ضيقة وحيرته فيها "رفرفت أجنحة الطائرين/ على حفرتين مظلمتين في وجهي/ ففاضت الحفرتان بماء ذهبي/ فوجدتني أبصر الدنيا الأولى/ وجدت المفتاح ويدي وعيني/ والباب - ضاع".
وشكل "القصيدة المطولة" بدا في غير موقع من عمل رعد عبدالقادر وقد أثقل التماعات الصورة الشعرية فيما أمكن افتقاد النمو ضمن خط تصاعدي، وقد عززها تقسيم الشاعر للجزء الثاني الى عناوين فرعية مما جعل التدفق التلقائي شبه معدوم. وكانت مقاطع مكتملة بذاتها من دون ان تكون على صلة بالسياق الذي جاءت عليه القصيدة المطولة كما في "ورقة الانتصار": "أنا المنتصر بالضياع/ إذا مرت بكم القوافل التائهة/ قولوا لها: السعيد السعيد، من كانت روحه علامة لطريقه".
والتقسيم الى مقاطع وعناوين ثانوية تواصل مع القسم الثالث من "أوبرا الأميرة الضائعة" وهو أوضح اقتراباً من الشاعر الى رموز واشارات من التاريخ العراقي القديم عملاً باتجاه بدا حاضراً بقوة في نصوص الشعر والقصة والرواية بعد حرب الخليج الثانية. فكان التاريخ قناعاً للحاضر وكانت الحروب الأسطورية والموت الذي يحصد الجموع والحصارات والبطش كما في سيرة بابل وآشور خير ممر لكتّاب عاصروا مثل هذه الوقائع وبثوها في نصوصهم تحت ذريعة الاستعارة الأسطورية والتاريخية: "خاطبت القمر والبحر ووحش البر/ والصحارى ورملها المتحرك"، أو اشاراته عن القوة الغاشمة: "رأيت في مملكتي من لا يهادنني/ خفيفاً كأنه الريشة/ عارياً... جسده موشوم بإناث الطيور/ واناث النبات/ جسده كأنه مرآة/ رأيت فيه هالة من الضوء الرهيب".

*سعد هادي، "هكذا كتب رعد عبدالقادر المقطع الأخير في قصيدته الطويلة" إيلاف14 شباط/ فبراير 2003 
**علي عبدالأمير، "الحياة" 18 آذار/ مارس 2001



 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM