علي الشوك وريادة أخرى.. معرفة الموسيقى الأليكترونية وعالم شتوكهاوزن الغريب

تاريخ النشر       25/12/2023 06:00 AM


علي عبدالأمير عجام

لقد وجدت في كتاب "الأطروحة الفانتازية"، لعلي الشوك منذ قراءتي الأولى له في 1975، مؤونة روحية فذة، كنت أعود إليها كلما شحّ الأمل في عراق الخيبات والقهر. عدت إليه وأنا مهزوم فكرياً ونفسيا في عامي 1978 و1979، وثالثة حين كان تميمة صبري واحتمالي في سنوات الحرب الرهيبة مع إيران، ومع أنني تعرضت لهزّات عميقة في حياتي، ومعظمها جرّاء وقوعي هدفاً هشا لآلة الطغيان المتمثلة في الحروب والخوف والعيش عارياً إلا من رغبة الحياة الآدمية البسيطة، وهو ما جعلني بلا بيت حقيقي وبلا مكتبة شخصية، لكنني حرصت على أن ابقي بعضا من الكتب التي شكلت ملامح شخصية جداً لثقافتي، معي أينما رحلت، حتى بين 15 بيتا وثّقت هجراتي وغربتي الداخلية بين بغداد والحلة. ومن بين تلك الكتب كان إثنان منها لعلي الشوك، "الإطروحة الفانتازية" و"الموسيقى الأليكترونية" الذي سيكون مرجعاً بارزاً في كتاب قدمته إلى سلسلة "الموسوعة الصغيرة" وقدم إليه العازف والأديب والناقد أسعد محمد علي، وكان من المؤمل ان يصدر في نهاية العام 1990، غير ان احتلال الكويت وبدء فرض العقوبات على العراق ألغت إصدار السلسلة مع بدء سياسة التقشف في كل الميادين، ومنها الثقافية.

ومنذ العام 1982 ومن خلال تراكم تجربتي في متابعة النغم الغربي المعاصر ونقد أشكاله عبر سلسلة من المقالات، تكونت لي معرفة وطيدة باشكال التأليف الموسيقى الغربي الجديدة، والتي تنتظم في حقيقتها مع الفكرة التاريخية والعلمية التي كانت قد قام عليها كتاب "الموسيقى الأليكترونية"، بل ان النماذج التي عرضتها في مخطوطة كتابي، بدت تطبيقاً للإطار التاريخي والنظري الذي قدمه الشوك في جهده الرائد والصادر ضمن سلسلة "الموسوعة الصغيرة" ذاتها أواخر سبعينيات القرن الماضي.

بدايات "اللامقامية"
رأى الشوك في كتابه الأخير "الموسيقى والميتافيزيقيا" أن الموسيقى أصبحت خاضعة لمنطق رياضي مجرد، ذلك يظهر بوضوح مع تجربة الموسيقي النمساوي آرنولد شونبرغ، والذي كان هدفه "كنس كل الأشكال الموسيقية التي خدمت الموسيقى على مدى ألف عام، والاستعاضة عنها بنظام يستند بالكمال إلى نظام رياضي، مبتكراً نظام الموسيقى الاثني عشرية، الذي يفرض على الموسيقي نظاماً رياضياً عند التأليف، يُمنع فيها المؤلف من تكرار أي نوتة في الجملة اللحنية، قبل أن تمر النوتات الاثنا عشر الأخرى كاملة. لذلك، أطلق البعض على موسيقاه لقب "الموسيقى اللا لحنية أو اللامقامية"، حيث لا مركز ثقل لحني يجذب المستمع، بل قاعدة رياضية تحمل بنية الموسيقى، لا يجب إعادة أية نوتة في التأليف قبل أن تستعمل النوتات الأخرى كاملة. وسمي هذا النظام أيضاً بالنظام التسلسلي أو اللامقامي، واعتبر كثورة في عالم التأليف الموسيقي، في بدايات القرن العشرين.


ويختار علي الشوك، موسيقى كارل هاينز شتوكهاوزن، وفيه يفتح الموسيقي الألماني مدى التخيل إلى آخره حين طلب من العازفين أن يكونوا على استعداد دائماً لسماع نداء المجهول، وأنتج عبر تجاربه التي تجمع بين الفيزياء الكهربائية والصوت ما يمكن اعتباره " صوتاً حياً يمكن إدراكه فقط من منظور كوني، مشابه لصورة الأرض عندما تصور من الفضاء الخارجي".
وكان الشوك في مقال له نشره بصحيفة "الحياة" في 1-9-2004 قد نظر بروح المراجعة إلى تصوراته الأولى عن "الموسيقى اللامقامية" بكونها موسيقى المستقبل فيكتب "برهنت الوقائع على ان البحث عن مخارج اخرى جديدة، بما في ذلك استعمال ابجدية موسيقية جديدة، وأصوات جديدة، كالموسيقى الكونكريتية، والموسيقى الإلكترونية، لم يؤت أكله. فاليوم لا أحد يحب الإصغاء إلى هذه الموسيقى، التي لا ترقى إلى أكثر من مستوى الموسيقى التصويرية في الأفلام السينمائية ونحوها. ولسنا هنا، في وارد الحديث عن موسيقى البوب وموسيقى الروك، التي كسبت معظم المستمعين الى جانبها، ولا غرابة في ذلك، لأن هذه الموسيقى تبقى مقامية على رغم كل محاولاتها التجديدية".

زعيق القردة!
ويخلص الشوك إلى القول "لا تكاد تشغل الموسيقى الحديثة سوى حيز محدود في برامج البث الموسيقية. ولم نعد نسمع لموسيقيين طليعيين حداثيين لامعين، من امثال كارل هاينز شتوكهاوزن، إلا في مناسبات متباعدة، ناهيكم عن المحاولات الأكثر تطرفاً. هذا لأن التجديد يقودك شيئاً فشيئاً الى اللاموسيقى والضوضاء. هناك مقطوعات حديثة لا تختلف عن زعيق القردة".
مع تفاقم أزمة غياب التأثير الروحي الواسع على جمهرة المتلقين، بدت الموسيقى الأليكترونية غريبة، حتى جاءت "موسيقى العصر الحديث- نيو أيج ميوزيك" كي تكون حلاً وسطاً ناجحا بين الموسيقى الأليكترونية شديدة التطرف في تجريديتها والموسيقى المقامية المتداولة حين راعت وجود الميلوديات في الأنغام وانهت تلك الصيغة المجردة الباردة التي اقترحتها الموسيقى اللامقامية.



 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM