نقد أدبي  



الشعر العراقي الآن: سهيل نجم يعاين بلاده بوصفها (فردوس أسود)

تاريخ النشر       13/03/2015 06:00 AM


علي عبد الأمير عجام*
في مقاربة الشعر العراقي، لمشاهد البلاد المحاذية المستغرقة بـ"حريتها" و"موتها" في آن، بمعنى عنفها الصاعد الى مستويات خيالية من الرعب، منذ العام 2003، ثمة مساران: الاول، ويندرج تحت باب التعبير المباشر، رثاء وبكائيات من جهة، وتسجيل يكاد "يشعرن" الاخبار اليومية عن العنف ومشاهده المخيفة من جهة اخرى، والثاني الذي انشغل في نقل البركان اليومي الى منطقة اخرى، غير حرارة اللهب المتداولة، ولا رماده المتطاير، بل هو انشغل في معاينة سؤال جوهري من نوع: مالذي يعنيه ان يحيا وطن وشعب باكملهما رهن موت مستديم؟ مالذي يعنيه ان يبدو البشر اسرى امر مرعب، اسرى موت يقبلون عليه برتابة، ويعيشون معه بطمأنينة غريبة، ومالذي احالهم الى هذا؟ وكيف تفنى المعاني ببساطة لصالح عدم مطبق مخيف؟
وفيما كان المسار الاول (التعبير المباشر) هو الاكثر حضورا في المنابر ومساحة التأثير والتلقي، كان من الطبيعي ان يندرج فيه شعراء كثر ومن اجيال عدة، طالما ان الجوهر لم يعد يهم، بل هو مثير للفكر العسير في حياة هي عسيرة بالاصل، بينما كان المسار الثاني (المشغول بالاسئلة) هو الاندر والأقل تأثيرا في الميدان اليومي للوعي السائد، واختاره قلة من الشعراء غير المعنيين بوجاهات مبتذلة في العراق اليوم، ومنهم الشاعر والمترجم المجتهد سهيل نجم، كما مثل ذلك المسار في مجموعته الصادرة حديثا عن "دار الجمل" وتحت عنوان "فردوس اسود"، وهو الرابع له في مسيرة بدأت مع الاول " فضّ العبارة - دار الكنوز الأدبية/ بيروت 1994".


وقراءة العنوان دلاليا، توفر مدخلا لقراءة الديوان بمجمله، وهو هنا واضح لجهة الامعان في نقد الوطن حتى وإن كان "فردوسا"، فهو "اسود" اي انه لم يعد فردوسا على الاطلاق، لا سيما ان الفردوس قرين الالوان الزاهية وسحرها وفتنتها. و"السواد" يكاد يغطي كل شيء بل هو مآل الطائر الذي يصير رمادا، كما في نص
"طائر الممكن":
"قُل لنا أنَكَ موجود،ٌ/ كي نَحيا/ أيها الأمل.
الطائرُ يحترقُ بلا رمادٍ/ أو أُغنيةٍ خرساء/ تقتفي ظِلهْ".
هنا القسوة، هنا الحقيقة، تبلغ مداها، فحتى الامل "طائر الممكن"، هو مثل:
"الشمسُ/ لعبة َ ضوءٍ / ترجُّها كفُّ طفلٍ قتيلٍ/ دُسَّ/ تَحتَ التُرابْ.

هذا المسار الذي يعنيه "احتراق طائر بلا رماد"، والذي يأتي مماحكة لحكاية "الفينيق" الطائر الاسطوري الذي ينهض من رماده، يوصل الشاعر بوصفه مدونا للجوهري وليس للعابر في حياة بلاده وانسانها، الى حد زعزعة اليقين، والشك بكل ما هو مرئي وواضح،  فيقول"رأيتكِ حدّ أنّي لم أركِ"، وهو ما يبدو متوافقا مع أهوال من نوع: "على النورِ القتيلِ / علَّقتِ اللافتاتُ أعراسَها،/ ورفعتْ موتي".
وينمو هذا اللا معقول، مع انه مستل من مشاهد حقيقية وواقعية، ليصبح لوحة سوريالية مطلقة، كما في نص "حينَ أمشي تسّاقطُ جراحي":
"أيها العراقيونَ لقد أسميتُكم قتلى
فاجلسوا باسمين
بينما تتطايرونَ
ضحايا لإلهِ المحوِ".
ثم يتصاعد الشاعر الذي كان ديوانه الثاني "نجارك أيها الضوء" صدر عن " دار نينوى / دمشق 2000"، في هذا الجو المحموم من الرؤية القاسية والمفزعة للبشر والمعاني، ليقول:
"أيُّها الراكبُ على جوادِ الفناءِ/ يا من فصلت روحي عن جسدي/ ولم تدَّخر لي ذكرى/ أيُّها القديمُ كالضغينةِ
أيُّها الواهمُ بالانتصارِ دوماً…أيُّها الموتُ،/ ستكون دائماً ثمة بداياتٍ جديدة./ قلتُ في سري: لونُ الناسِ/ وهم قتلى أشبهُ بعشاءٍ لربٍّ همجي".
وحين قلنا في اولى سطور هذه القراءة، ان الشاعر سهيل نجم، هو من قلة اختارت ان تكون ضمن المسار الثاني في محايثة احداث البلاد ووقائعها منذ العام 2003، على ضوء الوعي والتمعن العميق في المصائر والاهوال، فانه ليؤكد ذلك بعمق لافت كما في نص "روايتي لما حدث أو جريمةُ قتلٍ في أعالي النهر":
"صاحَ بي من تحتِ دثارهِ:/ إن متُّ سأصحو/ وإن صحوتُ سآتيكَ/ بالنبأِ.
قلتُ وما النبأ؟/ قال: ستقتُلني وتبكي/ دماً".
انه هنا، ينقب في سيرة الموت، ليضعنا عن حقيقة مرعبة: ما حياتنا الا فصل من هذا الموت المديد! وما إن يأتي النص المدهش "رُباعيةُ البابُ الشرقي"، حتى نكون اسرى هذا الفصل المحتدم، واسرى قوة الموت وسلطته الجائرة:
"من هُنا مرَّت ظلالُهم، وهناك سيدفنونَ/ سرّهم، فاطيعون، / أنا الآن، لا سوايَ، ورغم صُغري، / ملاذكم الأخير".
وحتى في اقترابه من وقائع مرعبة كالتي شهدها المكان من تفجيرات طارت معها الاجساد، وتفحمت الارواح والقلوب والاحلام، الا ان بوصلة الشاعر ظلت تدل الى المعنى العميق المتجلي في الانسان هنا بوصفه مصيرا مأزوما:
"مكان الظلامُ الأخضرُ/ يئزُّ تحتَ أقدامنا/ وشممتُ رملَ النهرِ/ مخلوطاً بالخيانة".
واظن ان "رملَ النهرِ/ مخلوطاً بالخيانة"، سطران شعريان تضمنا تكثيفا عاليا لدلالات من المكان واهواله، التي عاشها ويعيشها وسيعيشها ايضا، فكم من الازمنة التي شهدها النهر وقد دنس رمله بالخيانة، وبانماطها المتداولة واخرى الخفية التي تشوش كل شيء رائق، وتدنس كل شيء قيض له ان يحيا مقدسا، حتى الوجود الانساني ذاته!
وعلى منوال ما تتركه الخيانات للنهر وللمدينة واهلها، او ما تكونه عبرهم جيمعا وبهم ايضا، يأتي النص الشجي الجميل "حسين الحسيني"، الشاعر الانسان الذي خانته الازمنة، والافكار والوطن:
"أيُّها الفتى/ أُعبر بي الطريق.
أطرافي من الشمعِ/ وقلبي تكسَّر/ من الأسى".
وضمن هذا السياق، عند صاحب ديوان " لا جنة خارج النافذة - دار الشؤون الثقافية / بغداد 2008"  تبدو "المراكب" على نهر يفترض انها فياض بالحياة، وكأنها "أرواحٍ تحجّرت/ من شدةِ / انتظار الأملْ".
لكن "فردوس اسود" بدا وقد غيرّ هذا السياق الفياض بالرؤى الحية، الى سياق آخر، هو الاقتراب من شعر الافكار: اي نظم الافكار والرؤى بطريقة شعرية، وهو ما نقل الديوان من حيوية الاحالات الواقعية والسجال الفكري والفني العميق معها الى التجريد الشعري للافكار مثل:
"الوهمُ والسرابُ والأملُ/ توائمُ تجلسُ على قبرِ الزمنِ". أو "أطفأُ البحرُ فوانيسَهُ/ وتغطّى بالمطرِ"، وايضا "سُرعان ما تشيخُ السعادةُ/ لتُهيمن الأحزان"، وهو سياق بدا تنويعا على نشاط الشاعر سهيل نجم، صاحب الصوت الخاص بين جيل الثمانينات الشعري في العراق، مثلما هو متنوع انجازه المعرفي، ففضلا عن الشعر ونقده، والكتابة في جمالياته، فهو مترجم مجتهد، صدرت له تراجم عدة من الإنجليزية وإليها، في الرواية والنقد والشعر، من بينها أعمال لنيكوس كازنتزاكيس، خوسيه ساراماغو، تيد هيوز، أدوارد سعيد، ألسدير غري ونورالدين فارح. كما له كتابه المهم "أنثولوجيا للشعر العراقي ما بعد السبعينيات" التي صدرت بالعربية والانجليزية.

*نشرت في "المدى" 26 شباط 2015



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM