نقد أدبي  



كونديرا في روايته الجديدة (مهرجان التفاهة): السخرية من عالم متهور

تاريخ النشر       04/07/2015 06:00 AM


واشنطن- علي عبد الامير عجام
مع انه بات فرنسيا، خصوصا في كتابه الاحدث، الا ان ميلان كونديرا ما يزال يعرف باسم الكاتب التشيكي، ويعود ذلك أساسا الى أعماله المبكرة، لا سيما "كتاب الضحك والنسيان"، وقبل كل شيء، "خفة الكائن التي لا تحتمل"، ويبدو ان عيشه في فرنسا على مدى السنوات الاربعين الماضية،  جعل من كتابه "مهرجان التفاهة"، وبصرف النظر عن بعض ذكريات الماضي والأوهام، عملا فرنسيا بامتياز، لجهة ان الشخصيات الهامة وجميعها من الرجال، يفكرون في العابر من التفاصيل اليومية، وصولا الى ما تفضله الفتيات الصغيرات من ارتداء الجينز المنخفض الارتفاع على الورك مع قمصان قصيرة، على الرغم من انهم متقدمون في العمر وقد يموتون بالسرطان قريبا!

غلاف النسخة الانجليزية من رواية كونديرا الجديدة


وتبدو هذه الرواية القصيرة، محاولة من كونديرا لاستعادة نمط الـ "لا رواية" لاسيما في عمله على التفاصيل المتعلقة بحياة القادة السوفيات السابقين: نيكيتا خروشوف ومذكراته عن ستالين وميخائيل كالينين، الذي يعاني من مشكلة في البروستات تقتضي منه القيام بزيارات متكررة للحمام،  والتكهن حول الأسباب التي دعت ستالين لاطلاق اسم كالينينغراد على مدينة روسية.

هكذا ينتقل كونديرا الذي يعيش أواخر ثمانينات عمره، ويبدو الموت قريبا منه، عبر "مهرجان التفاهة"، وهي العبارة التي يمكن أن تكون تعريف الحياة نفسها، الى معاينة جوهر وجوده، ولكن هذا لا ينبغي أن يكون سببا لليأس، فالحياة لا تزال تقيم مهرجانها، والفرح تحمله تفاصيل الحياة اليومية المعتادة ومن غير المنطقي ان يتم إغفالها، فـ"الأشياء الصغيرة هي أفضل جزء من حياة الرجل الجيد"، بل هي تلك التفاصيل النادرة المجهولة من العطف والاشواق والمحبة.

وبحسب اراء نقدية اميركية بعد ترجمة الرواية الى الانجليزية، فان "مهرجان التفاهة" تبدو ترفيهية، فقيرة الخيال وعبثية احيانا، بل انه هناك من قرأها بنفحة من الشماتة، مثلت سقوط البطل الأدبي من عليائه، مثلما هناك من حاول انصافها بالقول انها " أكثر من كتاب"، وهي "تتشابك مع الإرث الثقافي للكاتب وتاريخه الشخصي".

لكن الاجماع هو ان رواية ميلان كونديرا الجديدة، "مهرجان التفاهة"، واحدة من كتب سيئة تأتي احيانا في وقت متأخر من السيرة المهنية الرفيعة لاصحابها، بل ان قراءة صحيفة " لوس انجلوس تايمز" للكتاب تقول انها بأنه مجرد "خاتمة سيئة لسيرة رفيعة". وبمعنى من المعاني، تلك قراءة محقة، فـ" مهرجان التفاهة" هي بعيدة كل البعد عن الكلاسيكية التي جاءت عليها روايته "خفة الكائن التي لا تحتمل" وجمع فيها بين الغنائية والعمق الفلسفي ضمن سياق فني ذي تأثير كبير حققه في العام 1984، على الرغم من انه حاول الحذلقة في كتابه الجديد، ضمن فكرة مفادها ان "التفاهة، يا صديقي، هي جوهر الوجود"، لخصتها شخصية في نهاية الكتاب، الذي جاء تتويجا لمرحلة من الكتابة بالفرنسية بدأها بعد عام 1990 واثر مرور عقد من هجرته إلى فرنسا.

كونديرا ضائعا وسط زحام باريسي مثالي


وثمة من يخلص الى ان كونديرا تغير جذريا من تلقاء نفسه، عندما رفض تراثه التشيكي، وراح يطلب أن يعاد تصنيف جميع أعماله على انها من الأدب الفرنسي، في قطيعة نهائية مع الجاذبية الفكرية والانسانية لوطنه؟ أو ربما أنها مسألة تتعلق بالتقدم في العمر، وما يعنيه من صراع مع ثقل الهوية والمعنى، ليختم مشواره في"التفاهة" على انها قصارى جهدنا من أجل الحياة؟ فهو يقول "لقد عرفنا منذ وقت طويل أنه لم يعد من الممكن أن يتغير هذا العالم، ولا إعادة تشكيله، ولا تجنب الاندفاع المتهور نحو اخطاره، كان هناك ممكن واحد فقط هو المقاومة عبر أن لا تأخذ الاشياء على محمل الجد، فالوقت كله للسخرية"، ويبدو ان كونديرا قد وصل إلى الفكاهة كخيار وحيد في عالم متهور وشديد الخطورة.
* نشرت في "الصباح" البغدادية 4 تموز 2015


اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM