كل شهقة في "كرده مند"

تاريخ النشر       22/09/2015 06:00 AM


علي عبد الأمير*

كنت اقول مع نفسي " الموسيقى صديق لا يخون"، تأسيسا على قول شكسبير في ان "من يكره الموسيقى هو من يصنع المكائد لبني ضربه من البشر"،  لذا كنت اجد في النغم الرفيع بكل ضروبه وانواعه رفيق روحي الذي جعلني اتماسك امام الاهوال التي عشتها في الحرب، ومع ما عاشته روحي من انتقالات غريبة، فمن اقدامي المرتعشة خوفا من اول قذيفة سمعتها حين هاجم "البيشمركة" لواءنا الثامن والتسعين في تشومان، الى هدوء سمج وبارد كطعم فطوري الذي كنت اتناوله وانا محاط بنحو عشرة قتلى من جنود وضباط وحدتنا من الفوج الاول – لواء المشاة الخامس في معركة مجنون 1984.


في مقر اللواء 98 بمدينة تشومان وفي الخلف امتداد بسيط لسفح جبل كرده مند

حيال تلك الانتقالات كانت الموسيقى صمام الامان لروحي المعذبة الوجلة الحزينة الشريدة، وكم مرة كانت فيها اغنية ما اشبه بإشارة الامل،  ففي معارك "جبل كردة مند" وتحديدا في ليل تشريني كانت تهب فيه ريح باردة،  بدأ الايرانيون الذين كانوا يحتلون القمة بـ"تسلية" انفسهم  في قصف مواقعنا الواقعة في سفح "جبل كردة مند" الذي اعادني الى تشومان، ولكن بعد نحو اربع سنوات من المرة التي وصلته فيها اول مرة. كنت شبه نائم قربي راديو ترانسيستور صغير نوع "فليبس" واغطي جسدي بنصف بطانية، فيما نصفها الاخر كان تحتي كي يقيني نتوءات الارض الصخرية وان كنا حفرنا خنادق شقية بدت اشبه بالقبور المفتوحة، وبين نثار الشظايا وقطع الصخور المفتتة التي تصبح جارحة اكثر من الشظايا، سمعت آهات مكتومة من الخندق المجاور لي،  فقفزت من حفرتي وحملت البطانية كي اغطي الجريح في هذا الجو البارد، ودون ان ادري كان الراديو في حضني وتدحرج بين قدمي ومنها الى هوة صخرية كانت تقود الى واد عميق، وفيما كنت منشغلا بتغطية الجريح، جاء افراد المفرزة الطبية ونقلوه الى سيارة الاسعاف التي قادها سائقها بمهارة رغم الليل البهيم ليصل به الى وحدة الميدان الطبية القريبة، وحين عدت الى حفرتي حاملا بطانيتي المبللة بدم الجريح، لم اجد الراديو وتذكرت انه تدحرج مني الى الهاوية القريبة، حاولت النوم مؤجلا البحث عن الراديو الى الصباح، وبعد ان ران صمت ثقيل هو الذي اعتدته بعد كل موجة قصف، تناهت الى اسماعي اغنية  Every breath you take  للفريق البريطاني" بوليس" وبصوته مغنيه الذي سينفصل عنه لاحقا  Sting ، والتي كانت واحدة من الاغنيات الجديدة في حينها ومن النوع الروحي الذي افضله لا في اللحن وحسب بل في البناء الشعري لمفرداتها ومعانيها، وكنت كلما اصخت السمع اكثر، كلما تمكنت من تحديد جهة الصوت، فكانت هاوية الوادي التي انحدر نحوها الراديو. 

صورة حديثة لجبل كرده مند


اذن كان هو، وكانت الاغنية اشارة حياة في وسط ذلك الموت البارد، وهو ما دفعني بقوة الى ان ازحف بين الصخور حتى وصلت الى الراديو، وقد صار قطعتين لكن الجزء الفاعل فيه لم يتضرر فيما انكسر جزء من الغطاء الخارجي الذي ظل مربوطا باسلاك مع الجزء الثاني الذي ظل يصدر اللحن الشجي دونما انقطاع. اشارة الحياة تلك تحولت لاحقا الى علاقة خاصة بالمغني ستنغ، صاحب الافكار العميقة،  حتى انني اهديته نصا في مجموعتي الشعرية الثانية،  وظل على امتداد اعماله يحظى عندي بمكانة خاصة لا لجهة الاعجاب الروحي الخاص، وانما في مقالاتي النقدية وفي عروضي الصحفية للاتجاهات المميزة في الموسيقى العالمية المعاصرة. ومكانة المغني الذي جاء الى الموسيقى من "الانثروبايولوجي" حيث كان استاذا لذلك العلم في جامعة لندن قبل ان يتحول كليا الى الغنا ، كبرت عندي في ثلاث محطات من سيرته،  فهو من ارسى فكرة " التضامن الانساني عبر الغناء" وذلك بمشاركته في الغناء لضحايا المجاعة في افريقيا وضمن اكبر حدث موسيقي في القرن العشرين" لايف ايد"،  وفي تنظيمه مع مجموعة من الاصوات الغنائية المعروفة ومنها: بيتر غبريال و بروس سبرنجستين جولة غنائية في اواخر ثمانينات القرن الماضي لصالح " امنستي انترناشينال" او "منظمة العفو الدولية" في حملتها التي اخذت عنوان "حقوق الانسان الان". والمحطة الثالثة في سيرته كانت في انفتاحه على انغام الشعوب،  ومنها الموسيقى الشرقية والعربية تحديدا كما جسدتها اغنيته الشهيرة   Rose of the desert التي غناها في العام 1999 الى جانب الجزائري "شاب مامي".

 سلسلة استعادات بعنوان "أغنية في الحرب".



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM