مقالات  



ولكنك "مت قبل الآن" فعلا يا خالد أبو لبن!

تاريخ النشر       26/08/2016 06:00 AM


علي عبد الأمير

ثمة مصادفات عجيبة، تحمل معها إشارات عميقة، ما تلبث ان تتحول اختبارات للحياة والأفكار، ومن هذه المصادفات ما عشته الشهر الماضي، حين كنت أنتظر دوري في صالون للحلاقة بمدينة فيرفاكس بولاية فيرجينيا ويديره الصديق حسن، ورحت أقلّب في هاتفي منشورات الأصدقاء عبر الفيسبوك، فتوقفت عند صورة جميلة للكاتب والصحافي هيوا عثمان، ويظهر فيها جالسا بتلقائية على الأرض وهو يسند ظهره الى جدار حمل عبارة محمود درويش الآسرة الدلالات والرشيقة الكلمات: "على هذه الأرض.. ما يستحق الحياة"، ومنها واصلت التجوال في ما وضعه أصدقاء آخرون، غير ان شخصا مر قريبا أمامي، بدا لي بجسد رياضي ثم جلس قريبا مني، وعلى ذراعه كان ثمة تاتو، ما لبثت ان تبين انه كتابة بالعربيةن بل وبخط جميل، بل هي العبارة الدرويشية السحرية ذاتها: "على هذه الأرض.. ما يستحق الحياة". هنا وقبل أي حديث، وبدون أي مقدمات، عدت الى صورة هيوا عثمان وحملتها عبر هاتفي لأريها الى صاحب التاتو الجميل على عضلة ذراعه البارزة، فالتفت نحوي بقوة، ثم انفتحت أساريره كأن يسألني مبتسما: ولكن من أنت؟ وكيف اهتديت الى "باسووردي" الشخصي؟


خالد أبو لبن في مدينة عكّا (الصورة من صفحته على الفيسبوك)

وعلى الفور بدأ حوار ولا أجمل عن درويش وسحره، عن فلسطين الفكرة والمثال، عن أصدقاء من طينها وزيتونها، وبالطبع ما كان لي بعد ان عرفت ان محدثي من "خاصرة العالم.. يافا"، الا ان أحدثه عن صديق الوجد والأمل، الشاعر غسان زقطان، ليفاجأني بأن صاحبي هو صديقه أيضا، ثم حديث طويل عن فلسطين في ثقافتي وتكويني الوجداني والفكري، وما كتبته من مراجعات وبحث نقدي في تجربة صاحب "أحد عشر كوكبا". قبل ان نفترق سألته عن أسمه، فقال: خالد أبو لبن، ثم أردف: أنا لي محاولات في الكتابة، هل أثقل عليك لو أرسلت لك واحدة؟

رحبت على الفور، وأفترقنا.

فتحت الرسالة التي أرفق بها نصه الطويل، نصوصه المنتظمة في سياق دلالي منسجم: ثمة الموت والسجال معه، وثمة النور/الظلام. أدهشني حقا العمق الفكري والتصوير الشخصي لأفكار كبرى في الحياة والمعرفة. سألني أبو لبن: ما رأيك؟ قلت: تمهل عليّ يا صديقي فهذا مدخل الى الكتابة غير عادي، ان "تحاول" في الكتابة وعبر هذا النضج في الفكرة والتأويل، فهو أمر يحتاج الى ترو حقيقي في القراءة.

قرأت النصوص وقد تكون عنوانات ثانوية لنص طويل، وكان عليّ ان أمعن النظر اليها ولنبدأ مع أولها: "النور لا يأتي في منتصف الطريق"، ومنذ سطره الأول يأخذنا ابو لبن الى مهمة الكتابة الكبرى: صوغ أزمة الإنسان في هذا العالم، فيقول " يا أيها النور المستريح خلف عتمة دربنا، إرأف بِنَا. كم طال بحث الروح عن نورها، وكأنه بحث عن المستحيل! يبدو انه مهما بحثنا، النور يسطع في البداية والنهاية فقط، والدرب كله ظلام، فلا نور يأتي في منتصف الطريق". لنلاحظ هنا ان النور، بحسب صديقنا الشاب، "يسطع في البداية والنهاية فقط"، اما درب حياتنا فهو "كله ظلام". ليس بالضرورة ان تتفق مع الفكرة، لكنك قطعا ستتوقف عند بصيرتها، المدعمة بجملة عميقة أخرى مثل هذه "تحاول الروح ظاهرياً حصار ظلامها او دحره عنها، ولكن فطرتنا مظلمة".

 وفي عنوان ثانوي آخر هو "النور"، ولنلاحظ أيضا انها فكرة محورية، نقرأ "انقبضت كانني نواةٌ جديدة في ذرة، ومن ثم انفجرت حتى صرت كأنني الكون كله. لا يسعني ان أرى فوقي ولكن بداخلي ابتدأت عوالم بأكملها. كان هذا آخر ما رأيت لفترة طويلة، ومن ثم جاء الظلام". 

حقا يبدو هذا أبعد من سجال حول الثنائية النمطية: "النور/ الظلام"، فهو يتضمن قدرة على التصوير: نواة في ذرة تنفجر ليخلق منها كون جديد، مثلما يدعّهما توق من نوع "كل ما أعلم عن وجهتي هو النور في النهاية، وأعلم انه موتٌ مرةً وحياةٌ مرات عديدة". 

 

اما في عنوان "الرحلة الأخيرة"، فثمة الشخصي/ الكوني "رأيت ضوءا بعيداً بجذبني كما المغناطيس. أهذا هو الموت؟ اذا كان، فهو لا يختلف كثيراً عن الحياة. تركت جسدي، تلك المركبة التي كانت تسيطر عليّ اكثر من سيطرتي عليها، تلك الآلة البالية، الى أين أوصلتني! لم يتغير شيء بموتي، فما زلت كالقارب الصغير في وسط المحيط، لا املك من امري شيئا".

صحيح انه الموت مرة أخرى، ولكنه الدليل الى الجدوى "دون وعي أردد مقطعاً لطالما جذبني من جدارية محمود درويش "وكأنني مت قبل الان"، انه في طريق طويل نحو هذا الظلام، لا رفيق له ولا أنيس: "لا علامة لي تدلني الى وجهتي، وكأنني أُبحر في بحر واسع بلا بوصلة. وجهتي ذاك النور الذي لا أعلم من أين مصدره"؟

ويعود الى أنيسه، الموت! "ايها الموت، يا رفيقي القديم"، ولكن عبر باب المماحكة الواقعية وليس مجر التأويل الفكري، فيكتب "كنت أعلم انني سأموت هكذا، فلم يعد لي نشاطات سياسية او فكرية قد تهم أحداً الى درجة قتلي، والسكتة القلبية كانت دائماً مرشحي الأول لاغتيالي. عندما جاءت، استقبلتها بهدوء ورصانة، كنت اهتم جدا بمظهر جسدي ولا أودّ ان اظهر بمظهر الخائف حتى بعد موتي. كانت تلك زائرتي المنتظرة، لم تتأخر كثيراً، ولم تمهلني إلقاء الوداع على حفنة الأقارب والاصدقاء الذين ما زالوا على اتصال معي. كانوا قليلين جداً، لكني أحببتهم". لنلاحظ هنا حضور الموت بدلالاته: قتلي، إغتيالي، السكتى القلبية... الخ، بمقابل الحياة الحاضرة بدلالة  الأصدقاء" كانوا قليلين جداً، لكني أحببتهم". وهذا لعمري إنسجام غامر بين نقيضين هائلين.

ولفرط هذا الإنسجام لم يعد هناك فرق كبير بين الحياة والموت عبر نداء "هذا يومك يا موت، هنا انتصرت والتقينا اخيراً، ولكني أخفيت إحساسا قوياً بأننا مررنا بتلك التجربة من قبل. ترفق بتلك الروح المهترئة يا موت، فقد لاقت نصيبها في أرض الوحوش دون ذنب. كن انت المخلص يا موت، كن أنت طريق الخلاص و درب لقاء الاحبة". 

 وفي حين خاطب، خالد أبو لبن، الموت بقوله ""ايها الموت، يا رفيقي القديم"، فهو يخاطب الحب "أيها الحب، يا عدوي القديم"، وهو موقف يبدو للوهلة الأولى، معتما مكفهرا، لكنه مستند الى جوهر حياتي وفكري، فالرجل الشاب في غربة ويصورها على النحو التالي: "شوارع مظلمة، ينيرها ألف ألف ضوء، ولكنها بنظري مظلمة، ووجوه بلا ملامح، مهما ابتسمت، لا أرى لها شيئا من الروح. تهت هنا، ليس لي مكان بين تلك الوحوش، الا اذا صرت انا وحشاً".

وفي سياق الغربة/ الرحيل نقرأ ما تصويرا مكثفا "مطار جون ف كينيدي كان من أضخم الأماكن التي لا اريد رؤيتها مرة اخرى في حياتي، كان علي ان امشي مسافات طويلة حاملا أمتعتي لكي أصل الى مكان الطائرة التي تأخرت عليها. لم يكن لدي آنذاك اي خبرة بالسفر، وأحسست وانا امشي وحيداً، ولأول مرة، بِوَحشة غريبة هي التي لازمتني الى اخر أيامي، الغربة". مثله التصوير المكثف والشخصي لطفولته " اذكر انني زرعت رأسي في خزانة التلفاز وأسقطه على الارض، وتلك كانت أول مواجهة لي مع الموت، ونجوت. ولكني ولسبب لا أستطيع تفسيره، لا اذكر أي كينونة لي قبل هذا على هذه الارض".

الكينونة التي يقصدها خالد ابو لبن هي التي توفر عليها بعد فترة من السباحة في هذا الفضاء المظلم، حيث "رأيت نوراً ابيض من بعيد، وكأن الفضاء كان يدفعني نحوه، وصوتها كان من الخارج يجذبني، هي تنتظرني سنين طويلة، وأنا اركض اليها بكل ما أوتيت الى ان وصلت اليها بعد سبعة وعشرين عاماً. وصلت الضوء، ولم اتذكر بعد ذلك سوى اني زرعت رأسي في خزانة التلفاز وأسقطه على الارض".

بعد كل هذا المشوار الشائك مع الحياة، نصل الى مشوار صاف وعميق للكتابة، فالكاتب الشاب

 يأخذها الى نقطتها الجوهرية الكبرى: الإنشغال بالإنسان وأزمته في هذا العالم، حد أنني وحال

 خالد ابو لبن الى هذا الإنشداد، أتساءل: وماذا سيمكنك كتابته بعد هذا؟


*نشرت في صحيفة "الأيام" الفلسطينية.






 



اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM