مقالات  



تخطيطات لبغداد المعاصرة*: "بيتلز" الغضب الشاعري وحيرة فاضل ثامر

تاريخ النشر       03/01/2017 06:00 AM


علي عبد الأمير

في الثاني من نيسان 1973، أصدرت شركة "كابيتول ريكوردز" للانتاج الموسيقي، أسطوانتينن الأولى بعنوان " الألبوم الأحمر" وضمت أغنيات الفريق البريطاني الشهير "البيتلز" 1962-1966، و" الألبوم الأزرق" وضمت أعمال الفريق 1967-1970، أي الأعمال التي وثّقت تاريخا من الغضب الشاعري نقل الغناء البريطاني والغربي عموما، من ثنائية "الكلاسيكية الرصينة مقابل الحداثة الراقصة"، الى مستوى جديد، هو النص الغنائي المبتكر، وفيه الكثير من النقد الإجتماعي، المحمول على معالجة لحنية خارج أي نغم من الأنواع السائدة.
أرقّ من كان يشاركني الاستماع الى موسيقى "الروك أند رول" تلك الأيام، كان صديقي في "اعدادية المأمون"، رفيق عبد الرحمن، وقد أشعرني بحسد وغيض حقيقيين حين أبلغني بان اسطوانتي "الألبوم الأزرق " و"الأحمر" حملهما إليه والده من لندن، ليتحول الحسد والغيض الى شعور بالارتياح والامتنان لاحقا، حين دعاني الى بيته كي نبدأ جلسات استماع طالت كثيرا، ثم امتدت لتتحول كتابة لنصوص الأغنيات، وكأنها مطلوبة في المنهج الدراسي، وعرض تلك النصوص على استاذنا في اللغة الانجليزية (السادس العلمي 1973) فاضل ثامر، الكاتب والناقد المعروف ورئيس اتحاد الأدباء العراقيين اليوم، ليساعدنا في ترجمة بعض مقاطعها، والذي بقدر ما كان يعتبر انشغالنا، نوعا من النشاط الثقافي، الا ان الحيرة، كانت تتملكه حيال اهتمامي هذا، لاسيما انني عرضت عليه قبل ذلك، نماذج مما كنت قد كتبت من قصائد، ونشر مقطع من احداها في مجلة "الإذاعة والتلفزيون"، وشجعني على الاستمرار بكتابة الشعر، مثلما أفرحه مقال كتبته في "النشرة الجدارية" الشهيرة للمدرسة وحمل عنوان "ما جدوى الثقافة"؟

من أجواء كلية الآداب- جامعة بغداد في سبعينيات القرن الماضي


أطول من شعر لينون وأقصر من تنورة باردو
ترجمة "البيتلز" تعني "الخنافس"، وبحسب اختزال شعبي عراقي، صارت مفردة "الخنافس" تلاحق الشبان ممن أطلقوا العنان لشعر رؤوسهم، أو قصوه وفقا لتسريحة أعضاء "البيتلز"، وتحولت الى "خنفس" كـ"وصف دوني"، ما انفك العراقيون يبرعون فيه الى اليوم، بل فاقوا ما كانوا عليه قبل أربعة عقود من الحكم على الفرد من خلال مظهره، وطالت مفردة "خنفس" أي شاب متأثر في مظهره، بما كان فعله أعضاء الفريق البريطاني الأربعة من تأثيرات ثقافية وسلوكية ومظهرية ايضا.
"الخنافس"، لاحقهم متعجرف كبير، انتجه زمن الانقلابات الجمهورية الذي فتح العراق على أبواب القتل والرعب وحكم الريف والبداوة، اسمه خير الله طلفاح، فكان عبر كونه خالا لصدام حسين، وضابطا سابقا ومتنفذا في أوساط منفذي انقلاب تموز 1968، قد تولى منصب محافظ بغداد، وأراد العاصمة مثالا لأخلاق رفيعة وصارمة مثل صرامة الضباط الذين حكموها منذ العام 1958 وأحالوها خرابا اجتماعيا صار اليوم أوحالا دونما آخر، فأقام قسما جديدا حمل اسم "شرطة الآداب" تطوع فيه عراقيون من "السرسرية" و"قطاع الطرق" والفاشلين في الدراسة، وأصحاب السوابق الجنائية والاخلاقية، وكانت مهمتهم تتركز على قص شعر "الخنافس" وسط الشوارع في بغداد، وعلى طريقة جزّ صوف الأغنام، وعلى صبغ سيقان الفتيات ممن كانت ترتفع تنوراتهن عن مستوى الركبة بألوان الدهان اللزج (البوية).
ما كان حصتنا في العام 1973 من "شرطة الآداب" تلك، مفرزة كانت يقف عناصرها عند باب مدرستنا "إعدادية المأمون للبنين"، وأخرى في مكان ليس بعيدا عن مدرستنا، وتحديدا عند باب مدرسة "إعدادية الفاروق للبنات". كثير من "خنافس" مدرستنا اضطرّ الى قص شعره، خوفا من انتقام "العناكب الطلفحاية السامة"، مثلما توقفت بنات "الفاروق" عن رفع مستوى تنوراتهن اعلى من ركبتهن، بل كان بينهن من يطلقن الضحكات العالية، على اصدقائهن وقد تخلوا عن تسريحات الشعر الكثيف، وحذرهم من توجيه حتى النظرات اليهن، خشية انقضاض عسس طلفاح عليهم؟

وبما ان المبالغة في الولاء، صفة من يفتقر لأساس انساني رصين يتربى عليه، ومن لا رقيب أخلاقيا يحكمه، فقد بالغ "السرسرية" في ضمن "شرطة الآداب" في تنفيذ أوامر سيدهم، وهو ما عاد على المظهر المدني لبغداد بفسحة ما، بعد خوف وانغلاق، فقد دفعتهم تلك المبالغة الى "الأهداف الخطأ"، حين طبقوا عقابهم "الطلفاحي" الفريد على أبناء شخصيات متنفذة، وبنات عائلات بغدادية مرموقة، وهو ما جرّ عليهم الويل والثبور، لينسحبوا من الشوارع التي عادت مرة أخرى لتحتشد بشبان اطلقوا العنان لرغباتهم في مظهر حاكى ما هو أبعد من "البيتلز"، ولم يعد وصف " خنفس" دلالة على "الدونية"، اذ صار "الخنافس" في شوارع بغداد هم التيار الأعظم بين شبابها، مثلما الشابات، صرن يباهين بجمال سيقانهن الى ما هو أعلى من الركبة بكثير، واطلقن العنان لأزياء قصيرة، من فساتين وتنورات، الى ما هو يضاهي "ميني جوب" النجمة الفرنسية الشهيرة حينها، بريجيت باردو.

* جزء من مشروع شخصي عن فصول غير مروية من بغداد المعاصرة


اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM