نقد أدبي  



لطفية الدليمي في جديدها المترجم: كتاب يغني عن عشرة

تاريخ النشر       30/01/2017 06:00 AM


علي عبد الأمير
إلى حين ليس بالبعيد، كان هناك من الكتب ما يؤدي دورا تربويا ويؤسس لتهذيب أخلاقي وفكري وجمالي من طراز خاص، ومع عزلة الكاتب عن عصره لأسباب شتى، توارى أو كاد مثل هذا النوع من الكتب، حتى بدا من الصعوبة الحقيقية بمكان  الوصول الى كتاب (بالعربية على الأقل) يقدم هذه الخدمة الجليلة للفكر والروح ويغطي طائفة عريضة من الأنشطة الثقافية المعنية بتهذيب الأرواح والذائقة والتأثير عميقا في المتلقي.
وكتاب "فيزياء الرواية وموسيقى الفلسفة" للروائية والقاصة والمترجمة العراقية لطفية الدليمي، والصادر 2016 عن "دار المدى" البغدادية، وكان عبارة عن حوارات مترجمة إلى العربية مع نخبة من الروائيات والروائيين الذين حققوا حضورا أدبيا ومعرفيا على إمتداد قارات العالم، هو من المعنى الذي أشات إليه السطور الأولى.


ومع ان العنوان بدا متعلقا بتحقيق تأثير عند المتلقي عبر شاعريته المعلنة، الا انه كان عنوانا خذل المحتوى العميق والجبار، فلا هو كتاب في فنية الكتابة الروائية "فيزياء الرواية"، ولا في الملامح الفكرية للكتاب و"فلسفة" نتاجهم، بل أوسع من هذا بكثير، فهو يعيد الكتابة إلى موضعها الحميم والجوهري: التأثير الإجتماعي للثقافة وللكتابة على نحو محدد.
انه كتاب يغني عن عشرة، ولي أسبابي التي أراها مستقاة من قراءة استغرقت نحو شهر، أغنتني حقا، مثلما حملت إليّ بديع التأثيرات الجمالية.
 
1
هو كتاب في معرفة كل هؤلاء الكتاب/ الكاتبات الذي حققوا حضورا عميقا في عصرنا. والمعرفة هنا لا تتعلق بالسيرة الشخصية على أهميتها، ولا بالسيرة الكتابية على جوهريتها، بل في معاينة ما الذي يعنيه الوجود الثقافي، لمن عرفناهم عبر الكتاب، العابر للمحلية والهويات الضيقة الى فضاء إنساني يمثل في جوهرة المصير الإنساني في أقصى حالات قلقه وتداعيات (انهياراته) الروحية بمقابل (انجازته) العلمية والتقنية. خذ هنا الكثير بين دفتي الكتاب ومنه الحوار مع البريطانية آيريس مردوخ مثالا.

2
هو كتاب في فن الرواية، إن أردته كذلك، لا في الرواية كـ"جنس أدبي" قائم بحد ذاته، بل بوصفها نصا  منفتحا على المصائر البشرية في علوها القيمي والحسي وانحدارها المخيف نحو تفاصيل الحياة اليومية في أثقالها ومتاعبها التي ترسمها سياسات الهيمنة الكبرى. وخذ هنا الحوار مع الروائي والناقد والأكاديمي الجنوب أفريقي جون ماكسويل كوتزي، مثالا. 

3
هو كتاب في العلاقة بين الفكر المعاصر والأدب، لجهة ما يمثله السؤال: إلى أي مدى يمكن للأدب ان يكون هاضما للفكر المعاصر وناقدا له أيضا؟ والحوار مع الأميركية ربيكا غولدشتاين يوفّر مثالا رفيعا لهذه القضية التي لطالما انشغلت بها عشرات الكتب في كل لغة من لغات العالم.

4
هو كتاب في الثقافة والهوية، بل أن صاحبة رواية "سيدات زحل"، قدمت لنا ضمنيا، ما قد يكون كتابا كاملا في هذا المعنى العميق الذي يهمنا اليوم في الثقافة العراقية والعربية، عبر حوارات غنية مع الأميركية الهندية الأصل انيتا ديساي، والأميركي من أصل أفغاني خالد حسيني، والكيني نغوغي وا ثيونغو وغيرهم.

5
هو كتاب في علاقة الأدب بالعلوم المعاصرة، أكان في مجال الطبيعيات (أدب الخيال العلمي) ام في البحث الإكلينيكي النفسي، عبر مقاربة الرواية وعلم النفس في أعمال روائيات/ روائيات تضمنها الكتاب-الحوارات.

6
هو كتاب في علاقة الأدب بالمكان، وفي حوارات مع التركي أورهان باموك والنيجيري شينوا أتشيبي وغيرهما، ما يغني هذه الموضوعة التي اتسعت إليها عشرات البحوث الأكاديمية والكتب النقدية الرصينة.

7
هو كتاب في الأدب و"النسوية"، كمفهوم ورؤية. صحيح ان صاحبة رواية "ضحكة اليورانيوم" السيدة لطفية الدليمي، لطالما عنت، في نتاجها الكتابي الشخصي، بهذه الموضوعة المهمة من بين موضوعات عصرنا الثقافية والفكرية، إلا انها عبر ترجماتها لحوارات مع مبدعات كبيرات حقا، من أمثال الأميركيات توني موريسون، جويس كارول أوتس ومارغريت آتوود وغيرهن ما يكوّن كتابا مستقلا في هذا الشأن.

8
هو كتاب في فهم "العولمة"، على نحو عميق ويسير في آن، وهذا ليس ممكن التحقق مثلما حققته المترجمة الدليمي، وكيف بدا التلاقح الفكري والأدبي على نحو واسع عبر قارات العالم ولغاته (الكتاب يغطي الكرة الأرضية تقريبا)، على نحو إيجابي مثلما بدا في بعض ملامحه هيمنة لثقافة محددة غربية (إنجلو – اميركية).

9
هو كتاب في فن الترجمة إن شئت، فالنصوص الإنجليزية للحوارات نقلتها السيدة الدليمي برشاقة قل نظيرها إلى العربية. حد ان افكارا عويصة احيانا تتضمنها أجوبة روائيات العالم وروائياته، جاءت على نحو سلس ودقيق في معناه. خذ الحوارين مع غاليانو وفوينتس مثالين على هذه المهارة.

10
هو كتاب في التقديم الأنطولوجي لكبار كتاب العالم وكاتباته، وجاءت مقدمات الاستاذة الدليمي للحوارات غنية بالمعلومات الأدبية- الحياتية، والمراجعات التي لا تخلو من روح النقد، لتكون كتابا مستقلا يفيد شكل "كتاب الجيب" العربي القديم او "الموسوعة الصغيرة" المعروفة عراقيا.

أعلاه، هي أسبابي العشرة في العنوان الذي وضعته لهذه المراجعة: "كتاب يغني عن عشرة".




اضف تعليقك 

ألأسم: البريد:  
 

 

 

Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

Powered and Designed by ENANA.COM