قصة شخصية: بغداد والعالم المعاصر من خلال موسيقاه 2

تاريخ النشر       01/02/2018 06:00 AM


علي عبد الأمير

ولأنني شخصياً مزيج من ملاك متعبد وشيطان داعر، لذا أحببت أغنيات الفريق السويدي ABBA التي تتوافر على مثل هذا المزيج فمن الإيقاع الراقص في Dancing Queen إلى أغنية حالمة حافلة بالمعنى الجميل مثل I have a dream، ومن إيقاع كان يهز جسدي بنشوة كما في Voulez Vous إلىThank You for Music . 
وكم اخذتنا ليالي بغداد في فتنتها، كم رقصنا، كم ثملنا على إيقاع من محبة ووفاء نادر تلك الأيام، هزتنا حد الجذل أنغام هادئة مثل How Deep Is Your Love? أو Happy New Year في ديسكو "فندق ميرديان" او "فندق ميليا-المنصور"، وابهجت أرواحنا إيقاعات راقصة في "ديسكو الخيمة" بالمدينة السياحية في الحبانية يوم كانت رئة نظيفة لتنفس البهجة وقبل أن تسيطر عليها وحوش التكارتة من أبناء صدام وعائلته وحماياتهم، فكم رقصنا برشاقة على إيقاعات "الريغي" بحسب ما صاغه المغني الجامايكي الذي صار أسطورة بلاده وفنون الكاريبي الموسيقية بوب مارلي، فضلا عن أغنية للفريق الانجليزيHuman League  كانت تتفجر حيوية راقصة وظلت إشارة لا تمحى من ذاكرة الأغنية الغربية في عقد الثمانينات ألا وهي أغنية Don’t You Want Me.

وإذا كان مزاج الليل في ذلك المكان الساحر مزاجا راقصا، فان نهاراته كانت لجلسات الاسترخاء على ساحل البحيرة الذي كانت تطير فوقه طائرات "ميغ 23" ولاحقا "ميغ 25" متجهة إلى جبهات الحرب مع إيران، ومنظرها كان يفزعني فانا الوحيد من بين مجموعة الأصدقاء من كان يعرف معنى أن يكون الانسان جزءا من آلة الحرب بحكم وجودي في جبهات القتال، وذلك الإحساس كان يعلي فيّ إحساسا بكآبة مرة تزيدها أغنيات كالتي تضمها اسطوانات After Dark للمغني الراحل آندي غيب أو الاسطوانة الجوهرة في ألحانها Guilty للثنائي باري غيب وبربارة سترايسند.

ترويض وحوش الحرب
ثنائية (الملاك-الشيطان) تملكتني لجهة الكتابة، فكانت قصائدي ملائكة يتيمة حيال قطيع هائج من شياطين الحرب، كنت أودع قصائدي في بريد مجلة" الثقافة" التي كان يرأس تحريرها واحد من أعلام الأدب والمعرفة في العراق الدكتورصلاح خالص، لتطالعها عيوني منشورة في أعداد المجلة التي كنت أسرق لحظات من أيام الموت الطويلة في جبهات الحرب من أجل الحصول عليها في مكتبات العمارة أو البصرة. ما كان يروض وحوش الحرب فيّ، كانت وحوش من نوع آخر في كل مرة أعود فيها إلى بغداد من خنادق الرعب وثكناته، تلك كانت وحوش الإيقاعات الراقصة في سهرات كانت تنسل منها الحياة مثلما ينسل الفجر من بطن الليل البهيم، ومن بين خوار الوحوش المروضة، تنهض الملائكة فأعود إلى الكتابة ولكنها مع اغلاق "الثقافة"، بدت ملائكة بلا أجنحة، لتتحول شيئاً فشيئاً إلى كائنات نائحة مثل تلك النساء النائحات في الأساطير الإغريقية . 
الكتابة تذهب عميقا في أنفاق عتمتها، وخطواتي تذهب أبعد إلى صالات مسرة، فكنت أقضي فيها الليال الخمس أو الست في كل مرة أعود فيها من الحرب بروح مثخنة بالجراح وبجسد عطشان للحياة ومن الصعب أن يرتوي، كنت أخجل أان أواجه الصباح كي لا أتطلع نحو مشهد الحفاوة الجماعية بالحرب، كنت ابتهج بالأغنيات بوصفها نسياناً او تأجيلا لسؤال كنت أريد توجيه لكل من يصادفني: أتعرفون ما الذي ستأتي به الحرب؟
 لم أسأل أحدا لكن سيل التوابيت تولى ذلك لاحقا، فالأسئلة بدأت تترى مع زيادة عدد اليافطات السود المعلقة على البيوت وعلى مداخل الأزقة والحارات، ولأن "المعاني السود" تنتعش مع اتساع يافطات النعي، فثمة محاولة دائبة لاعادة الأسئلة إلى مصدرها، إلى جمجمة العبث والخواء، فوعود البحبوحة كانت تتحول بيوتا وسيارات وآلاف الدنانير مقابل غياب صاحب الجثة وضمن "حكمة" أبدية ابدعتها السلطات الغاشمة: الدم مقابل المال!
في العام الثاني للحرب وجدت نفسي وقد داستني الوحوش بلا رحمة، وعبرت في جريها الذي لا يوقفه حد، فنهضت ملائكة الكتابة من نواحها إلى بياض لمساتها كي تضمد جراحي. هنا ابتكرت وسيلة كي أكتب دون الخوض في معادلات الراهن الدموي،  ودائما عبر الاستناد إلى ذخيرة الأغاني: أكتب نقداً في الأغنية الغربية طالما ان مكتبتي أصبحت عامرة فضلا عن جمهور لهذا النوع من الموسيقى بدأ يتسع اعتمادا على "اذاعة بغداد FM " . 

 
مع الناقد والكاتب والصديق الراحل الأستاذ محمد الجزائري في بغداد ثمانينات القرن الماضي

آزرني الأصدقاء في تنفيذ الفكرة، ولأننا كنا نحب فريق "بيجيز" اخترت في العام 1982 أسطوانتهم الأخيرة، وكتبت عنها مقالة أرفقتها برسالة إلى رئيس تحرير مجلة "فنون" الناقد محمد الجزائري، واقترحت أن تكون ضمن عنوان ثابت تقع ضمنه قراءات لإسطوانات جديدة لاحقة.
أحزنتني طريقة اخراج المقالة الأولى حين نشرت فالعنوان كان في مكان، والمقالة نشرت- دون الصورة التي ارفقتها - في مكان آخر، لكن ذلك لم يمنعني من الاستمرار فجاءت مقالة تالية عن الاسطوانة الجديدة و"الاخيرة" لفريقABBA، ومن عنوان ضاع بين إاهمال المحرر الفني والمدقق بدأت رحلة صحافية مثيرة لي مع مجلة "فنون"، لم تتوقف مع مؤازرة الصديق الجزائري عند حدود الكتابة في جديد الموسيقى الغربية المعاصرة بل امتدت إلى كتابة في أشكال الموسيقى الأخرى فضلا عن السينما وتذوق الشعر، واستمرت تلك الرحلة رقيقة ومثمرة حتى اغلاق المجلة في حزيران 1986 (ثمة مجلة اخرى هي "حراس الوطن"ستغلق على يدي).


مقالات متعلقة
  • قصة شخصية: بغداد والعالم المعاصر من خلال موسيقاه 1



  • اضف تعليقك 

    ألأسم: البريد:  
     

     

     

    Copyright ©  Ali Abdul Ameer All Rights Reserved.

    Powered and Designed by ENANA.COM